الجمعة، 28 فبراير 2020

أحمق من هبنّقة .

كتب علي مهران

22- " أحمق من هبنّقة " .
رجاحة العقل من الِنعم ( هبات ) ، وضياعه يدنيه من النَعم (الحيوانات ) ، بل يصير فاقد العقل أدنى . وإذا كان العرب قد حازوا على رجاحة العقل ، وهنالك من ساد بها إلا أن الأمر لا يخلو من البلهاء والحمقى - أعزكم الله - فالحماقة أعيت مداويها ، وأشهر الحمقى - عند العرب -  هبنّقة ، وحوارنا مع مضرب المثل عند العرب في الحمق فقالوا: " أحمق من هبنّقة " ،  " أروى من بكر هبنّقة " .
م : المحاور ، ض: الضيف .
م : الحمق نعرفه ، فما قصة الري ، والبكرة ؟!
ض:  بكرة الصدور عن الماء مع إني قد رويت  ، ثم أرد مع الوارد قبل الوصول إلي الكلا.
 م : نعم ، نعم .  وإن كنت أتعامل معك  يا هبنّقة  بحذر ، فهل يحمي الحذر من تصاريف القدر ؟! ، عرفنا بنفسك يا هبنقة
 ض : يزيد بن ثروان من بني قيس بن ثعلبة  ، وقال البعض عني : يزيد بن مروان ،  ولقبت بذي الوداعات ؛ لتعليق الوداعات من عظم وخزف في جيدي ( رقبتي ) ، وأنا من أعيا العرب ويضرب بي المثل في الحمق ، هم يقولون عني :
 "أحمق من هبنقة ".
وقد ذكرني ابن الجوزي في كتابه ( أخبار الحمقى والمغفلين ).
م : في أي زمن عشت ؟!
ض : أنا لا يعنيني الزمن ، المهم عندي أنني أسبق الفرزدق الذي قال عني :
فلو كان ذو الودع ابن ثروات لالتوت*******به كفه أعني يزيد الهبنقا.
فقد أعييتم أنفسكم وأنتم العقلاء بزمني فقال قائلكم عني : إني جاهلي الزمن ، وقال آخرون : إني إسلامي الزمن ، وتعدي قائلكم إلى أنني عباسي الزمن ، وأعجب لكم : كيف وقد قال فيّ الفرزدق ما قال وهو أموي الزمن ؟
م: بخ بخ ، فواعجبا لك يا هبنّقة ! ، نريد أن نسمع شيئا من نوادرك .
ض : علقت في عنقي قلادة من ودع وعظام  وخزف  لأعرف بها نفسي إذا ضللت ، وذات ليلة تحولت القلادة من عنقي إلى عنق أخي فلما أصبحت قلت لأخي : يا أخي أنت أنا فمن أكون  أنا ؟.
م : يا واهب العقل احفظ عقلي  ، وماذا أيضا ؟!
ض : ذات مرة ضيعت بعيرا ، فناديت : من وجده فهو له ، فقالوا لي : ولم تنشده ؟!
قلت لهم : أين حلاوة الوجدان ؟
م : يارب ثبت عقلي ، هل لديك المزيد ؟!
ض : ذات مرة حدث خلاف بين قبيلتي طفاوة وبني راسب  حول رجل ادعى كل فريق أنه في عرافتهم أي من ساداتهم ، وكنت أنا الحكم فقلت : حكمه أن يلقى في الماء فإن طفا فهو من طفاوة ، وإن رسب فهو من راسب .
فرد الرجل : إن كان الحكم هذا فقد زهدت في الديوان .
م : أضحكتني ، يا لك من بارع ، فعلا أنت أعيا العرب : قولا وفعلا ، هات المزيد
ض : من طبعي إذا قمت بالرعي قسمت الغنم حسب حالتها فجعلت المراعي ذات العشب  للسمان وتركت المهازيل ، وفصلتها عن أخواتها السمان .
م : لماذا ؟!
ض : أنا لا اصلح ما أفسده الله .
م : لا حول ولا قوة إلا بالله ، يارب سلم سلم .
هل من طرائف أخرى ؟
ض : ذات مرة ذهبت إلى السوق ، وأشتريت حمولة ثقيلة من القمح والشعير بسبعة دنانير ، فذهبت إلى حمّال وأعطيته ثلاثة دراهم ، وفي غمرة السوق بين الزحام ، اختبأ مني الحمال ، وفرمني بحمله ، وبعد حين ذهبت إلى السوق فرأيه عن بعد ، فجريت
م : أجريت لتلحق به ؟
 ض : لا ، بل لأهرب منه
م : لماذا ؟
ض : لأنه لم يأخذ أجره (ثلاثة دراهم) في المرة السابقة ، فهربت خشية أن يطالبني بأجره
م : لكنه احتال عليك بسبعة دنانير، بحق إن فعلتك هذه لمن الأضداد ، إما أن تكون بعيد النظر وتجنبت الاحتكاك مع ذلك المحتال ، وإما أن ينطبق عليك كلام العرب .
ض : هذا شأنك ، فاختر لنفسك أي التفسيرين .
م : هنالك أشعار قد ذكرتك .
عش بجد ولن يضرك نوك ***********إنما عيش من ترى بالجدود .
وبيت آخر :
عش بجد وكن هبنقة يرض ***************بك الناس قاضيا حكما .
وبيت ثالث :
عش بجد وكن هبنقة القيـ *************سي جهلا أو شبيه بن الوليد .
وذكرت في البيت التالي :
 شيب يا شيب ، يا هني بني القعـ **********قاع ما أنت بالحليم الرشيد
م : أتذكر بيت الفرزدق فيك يا هبنقة.
ض : ذكرني به ، زادك ربك بسطة في الذاكرة .
م : لقد ذكرته لي الآن  يا هبنقة ، لكن إن لم تكن كذلك فمن يكون إذن هبنقة ؟!
قال الفروق فيك يا هبنقة :
فلو كان ذو الودع ابن ثروان لالتوت***********به كفه أعني يزيد الهبنقا.
م : ما معني الهبنقة ؟
ض : لها معان متعددة منها: الأحمق ، والقصير، وهو لقب لي بالطبع .
م : يا هبنقة ، لا تعجل علينا ، أأنت هكذا في طباعك أم تتصنع ؟!
ض : بالطبع ، هكذا طباعي ولا أتصنع الاذي ، ولا أهوى المدح من الورى ولا يعنيني الذم من أناس لا يقدمون ولا يؤخرون قيد أنملة .
م : يا هبنقة لكل إنسان طباعه ، ولا نريد أن يقلدك غيرك ، فلكل امرئ منا سجيته وأخيرا ، أقول لك : وداعا وداعا يا هبنقة .
ض : وداعا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق