"قصة قصيرة"
اليوم سينهي المأساة ويصنع حداُ لمعاناته .. هذا قرار نهائي .. لا رجعة فيه .
هذه المرة لن تكون ككل مرة .. لن يتردد ولن يخاف .
يذكر جيداً أول محاولة .. كانت منذ عامين .. يوم أن ظهرت نتيجة الثانوية العامة ..
وعلم بحصوله على ستين بالمائة مازالت التفاصيل حاضرة بذهنه وكأنها وقعت للتو ..
إستقبله أبوه بلطمة على وجهه وصيحة مازال صداها يتردد بداخله
" أنت فاشل .. لا تتحمل المسئولية أبداً "
بينما أمه تقطع بكائها لتقارنه بابن خالته صاحب الثمانية وتسعين بالمائة .. المنطلق بصاروخ نحو كلية القمه
يومها .. لم ينطق بكلمة واحدة لم يبرر .. كما فعل أقرانه .. ولم يلقي باللوم على أحد دخل غرفته ..
وأسترجع ذكرياته .. ثم إتخذ القرار .
• * * * * * * * * * * *
لم يحب دراسته أبداً .. ولم يتمنى أن يصبح طبيباً كما أراد والديه لكنه سار في الطريق الذي رسماه له
..أمراه بأن يدرس "علمي علوم" ليدخل كلية الطب .. فأستجاب .. قالو له : لا تضيع وقتك في التفاهات
فاستجاب .. رغم عدم إقتناعه بأن ممارسة الرياضة من التفاهات .. ويوم أن أخبر أمه أنه لا يطيق دراسة
الكيمياء وانه يريد أن يدرس في القسم الأدبي .. ليلتحق بكلية الإعلام أمرته أمه أن ينسى هذا الكلام الفارغ
.. ونصحته بإخلاص ألا يذكر هذا الكلام أمام أبيه .. فأستجاب ..
حين إتخذ القرار أول مرة . لم يكن يملك شجاعة التنفيذ التي يمتلكها اليوم لهذا تراجع في اللحظات الأخيرة
وإكتفى بالهروب من البيت سار في الشوارع هائماً على وجهه .. لا يعرف أين يذهب ! ولم يكن له صديق
مقرب .. ولا قريب محبب .. فاضطر إلى قضاء الليل جالساً على الرصيف .. وحين قلت حيلته عاد إلى البيت ..
إستقبله أبوه بلطمه على وجهه وصيحة مازال صداها يتردد بداخله " أنت صايع لا تتحمل المسئولية "
بينما أمه تقطع بكائها لتحدثه عن محاولات البحث عنه وعدم مراعاته لخوفهم عليه .
******
في حقيقة الأمر لم يشعر يوماً أن أحد يخاف عليه في ذهنه دوماً صورة معلمته في الصف الثالث الإبتدائي
تنهره وتضربه وتأمر زملائه بأن ينعتوه ب "البليد" كان يعود إلى البيت باكياُ.. فتسأله أمه عن السبب
فيخبرها بمعاناته .. فتقرر الذهاب معه إلى المدرسه للإستفسار عنه .
في ذهنه دوماً صورة المعلمة تقول لأمه : " إبنك بليد لايكتب ما أكتبه على السبورة "
فتنظر إليه أمه بغضب ثم تقول : كسري له دماغه ..
لا يعرف لماذا لم تسأله أمه لو مرة .. عن سبب تأخره عن الكتابة وراء معلمته .
ولا يعرف لماذا كانت معلمته تصر على أن تضربه .
وهي تقول : أمك قالت كسري له دماغه.
ولا يعرف لماذا كان يضحك زملائه .. وهي تضربه
كل ما كان يعرفه هو أن لا أحد يخاف عليه لا أحد يحبه.
كان كثيراُ ما يحلم بأن يصبح مذيعاُ عندما يكبر يتابعه ملايين الناس .. وينتظر معجبوه إطلالته يومياً ..
أراد أن يكون محبوباً لكنه لم يستطع ..
لحظات سعادته وجدها عندما أنشأ لنفسه حساباُ على موقع الفيسبوك .. إنطلق داخل العالم الإفتراضي
ينشئ صداقات وينشر كلمات تعبر عن أحلامه وطموحاته وأفكاره .. أول إعجاب رآه على كلماته ..
جعله يكاد يطير من الفرحة .. تعليقات الثناء على منشوراته كانت تبهجه طوال اليوم .
صنع لنفسه مجتمعًا .. يقدره ويعرف قيمته .. لا يسمع فيه كلمات التوبيخ ولا يوصم فيه بالفشل
بعد عام واحد .. صار شخصًا مشهورًا له آلاف المتابعين لكنه لم يذكر أسمه الحقيقي لأحد في هذا المجتمع
شعر بأن هذا الأسم عبء لا يطاق يذكره بالفشل ولطمات أبيه وبكاء أمه وعقاب معلمته وسخرية زملائه
تلك أمور لابد أن يمحوها قبل مرور فوق عتبة العالم الأفتراضي
لكن عالمه الواقعي .. لم يسمح له بالتمادي في سعادته الأفتراضية .. حاصرته أحلام والده ..
الذي قرر له بأن يجتهد في المعهد الذي التحق به ليصبح معيدًا فيه .. ورغم أنه أكد لوالده أنه لا يطيق
طبيعة دراسة المعهد العلمية .. إلا أن تأكيداته لم تزد الوالد إلا إصرارًا .
وحين رسب في اختبارات العام الأول بالمعهد حمّله والده المسئولية كاملة مؤكدًا على أن إنجرافه وراء "الفيسبوك" سبب رئيسي في هذا الفشل .. فقرر له أن يمتنع عن الولوج إلى العلم الإفتراضي
وبعد محاولات مضنية لإثناء والده عن ذلك القرار.. وافق الوالد – على مضض- أن يخصص نصف ساعة في اليوم لهذا العالم.
اليوم سينهي المأساة .. كل شيء قد أعده .. وفي نصف ساعة فقط سيتم كل شيء..
كتب على الفيسبوك بالأمس "غدًا سأبث لكم فيديو لم تشاهدوا مثله من قبل .. انتظروني في العاشرة مساءً "
ألقى نظرة على منشور الأمس .. ابتسم حين رأى أن الأعجابات تجاوزت الخمسة آلاف .. وتحمس من التعليقات المؤكده على انتظار أصحابها للفيديو بشوق شديد
الآن .. أصبحت العاشرة مساءً .. فتح كاميرا هاتفه .. وثبت الهاتف فوق مكتبه
ثم نظر إلى سقف الغرفه .. وابتسم للحبل المتدلي منه .. ثم نزل بعينيه إلى الكرسي القابع أسفل الحبل.
نظر إلى الكاميرا وقال :- ستشاهدون الآن بثًا مباشرًا .. لعملية انتحاري.. وأتمنى ألا تنسوني من صالح دعائكم .. لقد أحببتكم كثيرًا .. وكذلك أحببت أمي وأبي .. وتمنيت أن يحبوني .. أخبروهم أن يسامحوني .. وأخبروهم أنني لست فاشلًا .
اتجه نحو الكرسي وصعد عليه .. ثم أدخل رقبته في حلقة الحبل وقال بصوت عالٍ " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله "
ثم دفع الكرسي بقدمه .. فتدلى جسده .. قبل أن يفتح أبوه باب الغرفه ليخبره أن الوقت المسموح به للفيسبوك
قد انتهى ....
#محمد_مكي
اليوم سينهي المأساة ويصنع حداُ لمعاناته .. هذا قرار نهائي .. لا رجعة فيه .
هذه المرة لن تكون ككل مرة .. لن يتردد ولن يخاف .
يذكر جيداً أول محاولة .. كانت منذ عامين .. يوم أن ظهرت نتيجة الثانوية العامة ..
وعلم بحصوله على ستين بالمائة مازالت التفاصيل حاضرة بذهنه وكأنها وقعت للتو ..
إستقبله أبوه بلطمة على وجهه وصيحة مازال صداها يتردد بداخله
" أنت فاشل .. لا تتحمل المسئولية أبداً "
بينما أمه تقطع بكائها لتقارنه بابن خالته صاحب الثمانية وتسعين بالمائة .. المنطلق بصاروخ نحو كلية القمه
يومها .. لم ينطق بكلمة واحدة لم يبرر .. كما فعل أقرانه .. ولم يلقي باللوم على أحد دخل غرفته ..
وأسترجع ذكرياته .. ثم إتخذ القرار .
• * * * * * * * * * * *
لم يحب دراسته أبداً .. ولم يتمنى أن يصبح طبيباً كما أراد والديه لكنه سار في الطريق الذي رسماه له
..أمراه بأن يدرس "علمي علوم" ليدخل كلية الطب .. فأستجاب .. قالو له : لا تضيع وقتك في التفاهات
فاستجاب .. رغم عدم إقتناعه بأن ممارسة الرياضة من التفاهات .. ويوم أن أخبر أمه أنه لا يطيق دراسة
الكيمياء وانه يريد أن يدرس في القسم الأدبي .. ليلتحق بكلية الإعلام أمرته أمه أن ينسى هذا الكلام الفارغ
.. ونصحته بإخلاص ألا يذكر هذا الكلام أمام أبيه .. فأستجاب ..
حين إتخذ القرار أول مرة . لم يكن يملك شجاعة التنفيذ التي يمتلكها اليوم لهذا تراجع في اللحظات الأخيرة
وإكتفى بالهروب من البيت سار في الشوارع هائماً على وجهه .. لا يعرف أين يذهب ! ولم يكن له صديق
مقرب .. ولا قريب محبب .. فاضطر إلى قضاء الليل جالساً على الرصيف .. وحين قلت حيلته عاد إلى البيت ..
إستقبله أبوه بلطمه على وجهه وصيحة مازال صداها يتردد بداخله " أنت صايع لا تتحمل المسئولية "
بينما أمه تقطع بكائها لتحدثه عن محاولات البحث عنه وعدم مراعاته لخوفهم عليه .
******
في حقيقة الأمر لم يشعر يوماً أن أحد يخاف عليه في ذهنه دوماً صورة معلمته في الصف الثالث الإبتدائي
تنهره وتضربه وتأمر زملائه بأن ينعتوه ب "البليد" كان يعود إلى البيت باكياُ.. فتسأله أمه عن السبب
فيخبرها بمعاناته .. فتقرر الذهاب معه إلى المدرسه للإستفسار عنه .
في ذهنه دوماً صورة المعلمة تقول لأمه : " إبنك بليد لايكتب ما أكتبه على السبورة "
فتنظر إليه أمه بغضب ثم تقول : كسري له دماغه ..
لا يعرف لماذا لم تسأله أمه لو مرة .. عن سبب تأخره عن الكتابة وراء معلمته .
ولا يعرف لماذا كانت معلمته تصر على أن تضربه .
وهي تقول : أمك قالت كسري له دماغه.
ولا يعرف لماذا كان يضحك زملائه .. وهي تضربه
كل ما كان يعرفه هو أن لا أحد يخاف عليه لا أحد يحبه.
كان كثيراُ ما يحلم بأن يصبح مذيعاُ عندما يكبر يتابعه ملايين الناس .. وينتظر معجبوه إطلالته يومياً ..
أراد أن يكون محبوباً لكنه لم يستطع ..
لحظات سعادته وجدها عندما أنشأ لنفسه حساباُ على موقع الفيسبوك .. إنطلق داخل العالم الإفتراضي
ينشئ صداقات وينشر كلمات تعبر عن أحلامه وطموحاته وأفكاره .. أول إعجاب رآه على كلماته ..
جعله يكاد يطير من الفرحة .. تعليقات الثناء على منشوراته كانت تبهجه طوال اليوم .
صنع لنفسه مجتمعًا .. يقدره ويعرف قيمته .. لا يسمع فيه كلمات التوبيخ ولا يوصم فيه بالفشل
بعد عام واحد .. صار شخصًا مشهورًا له آلاف المتابعين لكنه لم يذكر أسمه الحقيقي لأحد في هذا المجتمع
شعر بأن هذا الأسم عبء لا يطاق يذكره بالفشل ولطمات أبيه وبكاء أمه وعقاب معلمته وسخرية زملائه
تلك أمور لابد أن يمحوها قبل مرور فوق عتبة العالم الأفتراضي
لكن عالمه الواقعي .. لم يسمح له بالتمادي في سعادته الأفتراضية .. حاصرته أحلام والده ..
الذي قرر له بأن يجتهد في المعهد الذي التحق به ليصبح معيدًا فيه .. ورغم أنه أكد لوالده أنه لا يطيق
طبيعة دراسة المعهد العلمية .. إلا أن تأكيداته لم تزد الوالد إلا إصرارًا .
وحين رسب في اختبارات العام الأول بالمعهد حمّله والده المسئولية كاملة مؤكدًا على أن إنجرافه وراء "الفيسبوك" سبب رئيسي في هذا الفشل .. فقرر له أن يمتنع عن الولوج إلى العلم الإفتراضي
وبعد محاولات مضنية لإثناء والده عن ذلك القرار.. وافق الوالد – على مضض- أن يخصص نصف ساعة في اليوم لهذا العالم.
اليوم سينهي المأساة .. كل شيء قد أعده .. وفي نصف ساعة فقط سيتم كل شيء..
كتب على الفيسبوك بالأمس "غدًا سأبث لكم فيديو لم تشاهدوا مثله من قبل .. انتظروني في العاشرة مساءً "
ألقى نظرة على منشور الأمس .. ابتسم حين رأى أن الأعجابات تجاوزت الخمسة آلاف .. وتحمس من التعليقات المؤكده على انتظار أصحابها للفيديو بشوق شديد
الآن .. أصبحت العاشرة مساءً .. فتح كاميرا هاتفه .. وثبت الهاتف فوق مكتبه
ثم نظر إلى سقف الغرفه .. وابتسم للحبل المتدلي منه .. ثم نزل بعينيه إلى الكرسي القابع أسفل الحبل.
نظر إلى الكاميرا وقال :- ستشاهدون الآن بثًا مباشرًا .. لعملية انتحاري.. وأتمنى ألا تنسوني من صالح دعائكم .. لقد أحببتكم كثيرًا .. وكذلك أحببت أمي وأبي .. وتمنيت أن يحبوني .. أخبروهم أن يسامحوني .. وأخبروهم أنني لست فاشلًا .
اتجه نحو الكرسي وصعد عليه .. ثم أدخل رقبته في حلقة الحبل وقال بصوت عالٍ " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله "
ثم دفع الكرسي بقدمه .. فتدلى جسده .. قبل أن يفتح أبوه باب الغرفه ليخبره أن الوقت المسموح به للفيسبوك
قد انتهى ....
#محمد_مكي
سلمت يمناك
ردحذف