كتب : أيمن دراوشة
أولاً: الذات
قسم فرويد مؤسس علم النفس الشخصية إلى عدة مفاهيم وهي: الهو، والأنا، والأنا والأعلى، وسمى "النفس البشرية بشخصيتها وذاتها بالأنا، والأنا هي "الذات". (عمرو علام. الأنا والآخر "الشخصية العربية والشخصية الإسرائيلية في الفكر الإسرائيلي المعاصر". القاهرة: دار العلوم للنشر والتوزيع. ط1. 2005م. ص 9).
والذات هي "مجموع الأفكار والمعتقدات والأداء وكل ما يمت إلى الفرد بصله في مجال حياته". ( محمد المشاقبة. مبادئ الإرشاد النفسي للمرشدين والأخصائيين النفسيين. عمان: دار المناهج للنشر والتوزيع. 2008م. ص 38).
ومفهوم الذات عند ربر "هو تكوين معرفي منظم ومتعلم للمدركات الشعورية والتصورات والتقييمات الخاصة بالذات، يبلوره الفرد، ويعتبره تعريفاً نفسياً لذاته، ويتكون مفهوم الذات من أفكار الفرد الذاتية المحددة الأبعاد، من العناصر المختلفة لكينونته الداخلية أو الخارجية". (المرجع السابق. ص 38)
ويعرف ويليام جيمس الذات أو الأنا في معناها العام "بأنها المجموع الكلي لكل ما يستطيع الإنسان أن يرى أنه له – جسده، سماته، قدراته، ممتلكاته المادية، أسرته، أصدقائه، أعدائه، مهنته، هواياته". (محمد مصطفى أحمد. خدمة الفرد (النظرية والقياس). الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية. ط، 1995م. ص 49).
واعتبر فرويد "الأنا السلطة الإدارية للشخصية". (المرجع السابق. ص 51)
مما يعني أنَّ الأنا هي التي تتحكم في الهو، والأنا الأعلى، وهي التي تحافظ على مصالح وسلامة الشخصية ككل. وعندما تقوم بوظائفها بشكل الصحيح والسليم، يظهر التوافق والانسجام في الشخصية، أمَّا حين يسيطر الهو أو الأنا الأعلى، وتخضع الأنا لإحداهما فإنَّ ذلك يؤدي إلى عدم الاتزان والاضطراب.
والأنا هي فكرة الإنسان عن نفسه أو هي "مجموعة من العمليات السيكولوجية النفسية التي تحكم السلوك والتكيف كالتفكير والإدراك والتذكر والإرادة". (سلوى الصديقي. وجلال الدين عبد الخالق، نظريات علمية واتجاهات معاصرة في طريق العمل مع الحالات الفردية، الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية. ط1. 2004م. ص 341).
ومما سبق يتضح، أنَّ الأنا الفردية أو الجماعية تتبدى عبر الشخصية، وتنمو من الخبرات والتجارب التي يتعرض لها الإنسان، وبالتالي يؤثر عليها الواقع، وما تحمله من مميزات نفسية واجتماعية. إنَّ عملية إدراك الذات عملية ليس سهلة، فهي عملية مستمرة، ويمكن التوصل لفهم الذات عبر الخبرة والنضج.
ثانياً: الآخر
لا شك إنَّ صورة الآخر، لا توجد إلا مقابل صورة الذات. وقد طور العالم جيمس بالدوين "رؤية تفاعلية اهتم فيها بعلاقة الذات بالآخر – حيث شدد على أنَّ " الأنا والآخر" – مولدان معاً ". (عمر علام. مرجع سابق. ص11)
إنَّ الوعي وإدراك الذات يستلزم بالتأكيد الوعي بالآخر ويقول الباحث الفرنسي جان فارّو " الشرط الرئيس الذي لا بدَّ منه لكي يوجد "آخر"، حتى ولو لم يكن الشرط الوحيد، هو وجود "أنا" (ضمير المتكلم المفرد)". (جان فارّو. "الآخر بما هو اختراع تاريخي". في: لبيب الطاهر (محرراً). صورة الآخر العربي ناظراً أو منظوراً إليه. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1999م، ص 45.
والباحثة التونسية أسماء العريف أمسكت بالآخر كـ "جزء من "الذات" ورأت أنَّ نفي الآخر بتر للذات بمعنى أنَّه قطع لجزء منها هو "الجزء الملعون" من الذات. هذا رغم أنه ضروري لاكتشافها، إذ تصور الذات لا ينفصل عن تصور الآخر". (لبيب الطاهر(محرراً). من مقدمة الكتاب. مرجع سابق. ص 22).
وتعد صورة الآخر، في غالبية الحالات، حسب قول الباحث عبد الجليل حليم "عن موازين قوى وعن علائق تراتبية، وعن علاقات نزاعية، ولذلك فلما يكون المهيمن والأقوى والأعلى في موقف من يعاين الآخر، فإنَّ الصورة عن الشعور بالتفوق عليه وعلى الازدراء والاحتقار، بل والكراهية إزاءه. وعادة ما يكون هذا الآخر شعباً مجاوراً أو شعباً لنا احتكاكات به على مر التاريخ... فتعبِّر الصورة التي ننتجها عن قوالب جاهزة ثقافية ودينية واجتماعية".
(عبد الجليل حليم. "الفلاحون المغاربة في الإثنولوجيا الكولونيالية: بين الجمود وقابلية التحسّن "، في: لبيب الطاهر، مرجع سابق، ص.45)
وهنا لا بُدَّ على التأكيد أنَّ صور الذات وصورة الآخر معرضتان للتغير والتعديل. وأنَّ نظرتنا إلى ذواتنا وإلى الآخرين، لا تكون عادة سليمة وصحيحة بل يختلط فيها الواقعي مع المثالي. فنحن لا نظهر للآخرين حقيقة أنفسنا بل ما نرغب باطلاع الآخرين عليه. أما بالنسبة لصورة الآخر فقد نشكل عنه صورة انتقائية، من عناصر نختارها، لترسخ في أذهاننا، ونتجاهل عن قصد أو من دون قصد عناصر لا نريد الاعتراف فيها.
ويمكن تعريف صورة الآخر بأنها "عبارة عن مركب من السمات الاجتماعية والنفسية والفكرية والسلوكية التي ينسبها فرد ما – أو جماعة ما – إلى الآخرين". (فتحي أبو العينين، "صورة الذات وصورة الآخر في الخطاب الروائي العربي"، في: لبيب الطاهر (محررا)، مرجع سابق، 813).
إنَّ العلاقة بين الأنا والآخر، بغض النظر إنْ كانت بين شعوب أو جماعات، تنتج صور الذات وصور الآخر، و "من دون معرفة الآخر عملياً يظل التعامل معه في حدود الصورة التي نراها أو نريدها أنْ تكون، حتى ولو كانت هذه الصورة غير مطابقة للواقع". (المرجع السابق. ص 813)
وهذه العلاقة وما تنتجه من صور شغلت الإبداع الأدبي في مختلف الثقافات.
أما كيف يقوم العمل الأدبي في تصوير "الأنا" و "الآخر" يقول د. شاكر عبد الحميد: "هنا تعمل حواس المبدع بطريقة انتقائية. فليس كل ما تتلقاه الحواس يصلح مادة للعمل الفني. كثير من الأشياء تخزّن في الذاكرة: ملامح الأشخاص، طرائق كلامهم، تعبيرات وجوهم، إشارات أيديهم، تفاعلات البشر ومواقفهم، تغييرات الطبيعة والمجتمع، صراعات الإنسان مع البيئة. ومع الذات ومع الآخر. ثم يحاول المبدع تنظيم كل ما سبق بشكل جيد". (عمر علام. مرجع سابق. ص15)
ويخبرنا الدكتور أبو العينين، عن كيفية التحليل والتفسير لصورة الأنا والآخر في النص الأدبي " فإذا كنا نبحث في النص عن صورة الذات العربية وصورة الآخر الحضاري الغربي، فإنَّ الوحدتين الملائمتين للتحليل هما: الشخصية الروائية، والموقف الروائي. وإذا كان الهدف العام للبحث هو الفهم الشامل للعمل الأدبي ولدلالاته العامة، فإنَّ هذا الهدف لا يكتمل تحقيقه إلا بتأسيس العلاقة بين العمل وسياقاته الخاصة والعامة". (فتحي أبو العينين، مرجع سابق. ص 821-822)
إذن فالأنا لا تحس بوجودها إلا إذا وجد الآخر، ويرتبطان بعلاقة مع بعضهما سواء أكانت مباشرة أو غير مباشرة، ويمكن أنْ يكون الآخر صديقاً أو عدواً أو قومية أو دولة أو حتى ديانة. كما إنَّ صورة الآخر تتشكل وتتحدد وفقاً للعلاقة مع الأنا سلباً أو إيجاباً. وصورة الآخر في حالة الحرب تختلف عنها في حالة السلم، فنرى بالآخر ما نريد أنْ نراه، ونغمض أعيننا بقصد أو دون قصد عن أمور كثيرة لا نريد رؤيتها والاعتراف فيها.
وبالتالي، يبدو على الأغلب أن الآخر لا يكون إلا متوحشاً ومتخلفاً، وهذه صورة نابعة من ضغائن وأحقاد مزروعة في لا وعي الأفراد، وتحدد موقعنا من الآخر بشكل كبير.
لذلك عادة ما تقوم مراكز قوى اجتماعية ومجموعات ضغط، ومفكرين برعاية وتغذية موقفنا من الآخر وتحديده.
لأنها بذلك تجد تبريراً للسياسية التي تتعامل بها مع الآخر، من أجل استغلاله والهيمنة عليه.
وهنا علينا ألا نغفل المرامي الاستعمارية من وراء، حرمان الآخر من أرضه وثقافته وجزّه من جذوره وتربته، من أجل ضمه ودمجه في النظام السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي الجديد، المراد فرضه عليه.
فنكران الآخر ساكن البلاد الأصلي، المتخلف والمتوحش والقذر ومحاولة سلبه "كل حق في التثقف وفي التحضر وحتى في الانتماء للإنسانية. ألا نراه يسلب منه الحق في أن تكون له نفس؟ فكل هذه الحقوق حكر على الإنسان الأبيض والمتحضر الذي منحته ثقافته استعداداً لسيادة باقي الشعوب، فعليه أن يساعدها على بلوغ طور الحضارة، أي أن يساعدها على التنكر لثقافتها الخاصة لتتبنى ثقافته المهيمن. والأمر هذا منعوت في اللغة الأنثروبولوجية الشائعة بالتثاقف". (محمد نجيب بوطالب،" صورة المجتمع العربي الإسلامي"، في: لبيب الطاهر، مرجع سابق، ص 451).
ولا بُدَّ من التذكير هنا أنَّ أنماط صورة الآخر. غير ثابتة، بل يمكن أن تتغير وتعدل وفق لرؤية من يرسم هذه الصورة. ووفق ارتباطها بمجريات الأحداث التي تتشكل الأنا والآخر من خلالها.
-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=
المصادر والمراجع
1- أبو العنيين، فتحي (1999)."صورة الذات وصورة الآخر في الخطاب الروائي العربي"، في: لبيب، الطاهر )محرراً(. صورة الآخر: العربي ناظراً أو منظوراً إليه. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. ط 1.
2- أحمد، محمد مصطفى (1995) .خدمة الفرد (النظرية والقياس(، الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية. ط1.
3- بو طالب، محمد نجيب (1999). "صورة المجتمع العربي الإسلامي"، في: لبيب، الطاهر )محرراً(. صورة الآخر: العربي ناظراً أو منظوراً إليه. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1.
4- حليم،عبد الجليل. (1999). "الفلاحون المغاربة في الإثنولوجيا الكولونيالية: بين الجمود وقابلية التحسّن"، في: لبيب، الطاهر )محرراً(. صورة الآخر: العربي ناظراً أو منظوراً إليه. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. ط 1.
5- صديقي، سلوى، وجلال الدين عبد الخالق (2004). نظريات علمية واتجاهات معاصرة في طريق العمل مع الحالات الفردية. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية.
6- طاهر، لبيب (1999). "مقدمة الكتاب". صورة الآخر: العربي ناظراً أو منظوراً إليه. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. ط 1.
7- علام،عمرو (2005). الأنا والآخر )الشخصية العربية والشخصية الإسرائيلية في الفكر الإسرائيلي المعاصر(، القاهرة :دار العلوم للنشر والتوزيع. ط 1.
8- مشاقبة، محمد (2008). مبادئ الإرشاد النفسي للمرشدين والأخصائيين النفسيين، عمان: دار المناهج للنشر والتوزيع. ط1.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق