السبت، 22 فبراير 2020

الحصاد .. بقلم د.إبراهيم النهر

الحصاد
مرضت ابنته الصغرى والتي كان عمرها إثنى عشر عاما وكاد أن يفتك بها المرض، حتى صارت جلدا على عظم كما يقولون، ولم يدع طبيبا في مركزه إلا وقد ذهب إليه، وكلهم أجمعوا على أنها تحتاج إلى اجراء عملية جراحية عاجلة والتي تحتاج إلى مهارة وامكانيات لا تتوفر إلا في مستشفيات الجامعة.

فاستأجر سيارة وحمل ابنته متوجها إلى مدينة القاهرة حيث الصرح الطبي العظيم ومنارة الشرق الأوسط الطبية (مستشفيات القصر العيني التعليمي) والتى تبعد مئات الكيلومترات عن بلدته.
وهناك وداخل أسوار المستشفى حار واحتار فلم تكن المستشفى كما تخيلها طرقة بها مجموعة عيادات يعلوها طابق أو طابقان كمستشفى بلدته المركزي، ولكنه وجدها تحتاج إلى سيارة للتجول بين أقسامها ومبانيها المتعددة فضلا على كثرة طوابقها.
فأخذ يحمل ابنته تارة، وتارة تسند عليه، وكلما سأل مارا عن وجهته أخبره مازال أمامك مشوارا يمينا فشمالا وبعدها ستجد مبنا أبيضا فذاك ما تنشده، حتى أُجهد وأنهكه التعب، فاستراح في ظل مبنى بجوار جراج سيارات فارهة.
واستدار بوجهه بعيدا حتى لا ترى ابنته دموعه التي انسكبت من عينيه لأسباب كثيرة منها حزنه على ابنته التي يفترسها المرض، كبر سنه وضعفه وعدم قدرته على حملها، قلة حيلته في بلد لا يعرف فيها أحدا وقبل كل ذلك الفقر وضيق اليد.

وفي هذه اللحظة والدموع تنساب من عينيه وهو يحاول إخفاءها، فإذ بشاب يركن سيارته الفاخرة بجانبه، وينزل منها ويتوجه إليه مرتديا مئزره الأبيض وتتدلى على صدره شارته المهنية، طويل القامة، بهي المحيا، ويسأله ما بك يا عمي هل معك وصية طبية؟ اعطني بطاقة هويتك؟
فأخرج بطاقته وأعطاها إياه، فإذ بالشاب عندما يعرف اسمه وبيناته ينكب على رأسه يقبلها ويقبل يده ويتفرَّسه من شعر رأسه إلى أخمص قدمه، ثم حمل عنه ابنته وعند صالة الانتظار وضعها على كرسي متحرك وأخذ يدفع الكرسي بنفسه وكل من يراه يفسح له الطريق ويعطي له التحية، والرجل كبير السن والد البنت يهرول وراءه وهو يتساءل عن ماهية هذا الرجل، فيبدو أنه طبيب كبير وذو شأن عظيم في هذه المستشفى، ولسان حاله يقول: أيعرفني أم إنه رق لحالي؟؟؟؟
ومن جناح المختبر إلى قسم التصوير الطبي إلى غرفة العمليات، وما مرت ساعات إلا وقد أُجريت العملية للبنت، ولم يتركهما إلا بعد أن فاقت تماما من البنج.

وفي اليوم التالي جاء ليطمئن على حالتها، فعندما رأه الرجل المسن والد البنت شكره وسأله عما إن كان يعرفه أم إنه قد رق لحاله؟
فأجابه: أتذكر من ثلاثين عاما عندما دخلت فصلنا لأول مرة وكنا في الصف الثالث الابتدائي، وأردت أن تعرف مستوى كل تلميذ على حده، وأمرتنا أن نقرأ بالدور حتى جاء عليَّ الدور وكنت في أخر الصف وفي ركن الفصل وأخر تلميذ في الفصل، وقلت لي اقرأ فرد عليك زملائي لا يعرف لا يعرف، واحمر وجهي وتعرق جبيني خجلا، ولكنك ربت على كتفي وأخذتني وأجلستني في أول تختة، وعلمت بخبرتك وحسك المرهف أن التلميذ الذكي حساس ومرهف المشاعر، وأن مشكلتي لم تكن إلا أنني قد تعرضت لموقف سخرية قد أفقدني الثقة بالنفس وجعلني أنطوي علي نفسي وأتهته في الكلام، ولولا فضل الله عليَّ ثم فضل حضرتك ما أصبحت بروفيسورا في الطب كما ترى، فأمثالكم ترفع لهم القبعة، فقد غرست في الثقة بالنفس بعد أن هدمها زميل آخر لكم لا يستحق أن يكون معلما، والله مهما فعلت فلن أرد لك الجميل، أسأل الله أن يجازيك عني خير الجزاء.
د. ابراهيم النهر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق