الاثنين، 3 فبراير 2020

العُزلة الإلكترونية . د. إبراهيم النهر

العُزلة الإلكترونية ...
.............................
 العزلة الإليكترونية على الرغم من أني متزوج وعندي ثلاث بنات إلا أني أشعر بالوحدة، وأذهب إلى العمل ليس بحثا عن المال كما هو الحال في الغالب الأعم، ولكن بحثا عن الصحبة في مجال العمل، وما أن إلتحقت بالعمل إلا وخاب ظني وزادت أسوار العزلة من حولي، فجل الأحاديث في الغيبة والنميمة، والهمز واللمز، والصراع والمنافسة الغير شريفة على الترقية، والتقرب من الإدارة والتمسح في بركتها، وبرغم أني تركتها لهم ولم أنافسهم عليها، إلا إنني لم أنج من بعض شظاياها. ولحسن حظي أني طبيب أمراض صدرية مما يجعلني دائم وضع السماعة بأذنيَّ مما يعوق سماع مثل هذه الثرثرة التي تشحن النفس بالنفايات العاطفية التي تفسد ودي ووئامي وسلامي الداخلي. وبعد يوم من العمل أرجع وقد تأثرت بشكل أو بآخر ببعض التسريبات التي قد تخللت إلى أذنيَّ من تحت السماعة وعكرت من صفو مزاجي. وأظل طوال الطريق أحاول في رسم بسمة على ملامح وجهي، لتراها بناتي وزوجتي عند عودتي، وذلك بتذكر بعض المواقف السارة في حياتي وهي نادرة. على باب الشقة أقف وأستحضر الابتسامة المفتعلة التي كنت قد رسمتها وتلاشت، وأرن الجرس، فتفتح ابنتي الوسطي الباب، فأنحني لأقبلها وترى الابتسامة على وجهي، وأمد لها يديَّ، ولكنها لم تعرني اهتماما وسرعان ما تجري وتندس وسط أخواتها أمام التلفاز لتتابع معهن برامج الأطفال. أدخل غرفتي وأرتمي على السرير، ليس تعبا وارهاقا ولكن اكتئابا، وأسمع صوت الأواني التي تُغسل في المطبخ، وأشم رائحة الطبيخ الشهية التي تفوح منه، فزوجتي منهمكة في اعداد الطعام وتنظيف الشقة، وشهادة لله إنها طباخة ماهرة، والشقة في نظافتها كما الفندق. وعندما انتهت من اعداد المائدة استدعتني، وما أن جلست على المائدة إلا وجبرت بخاطرها وأثنيت على الطعام مما سرَّها، ولكن نظرا لأن ليس هناك شهية للطعام قمت سريعا، فلاحظت أن وجهها قد اعترته مسحة حزن وخيبة أمل. وبعد الغذاء تواصل البنات مشاهدة التلفاز، وأدخل أنا في عالمي الإفتراضي الفيسبوك، ويوم بعد يوم يزداد الشعور بالوحدة، ويشتد اطباقه على قلبي ويخنق بحبله عنقي. وفي هذا اليوم قررت أن أذهب وأجلس وسط بناتي وأكسر حاجز العزلة الذي شيدته أجهزة التكنولوجيا الحديثة، وبالفعل ذهبت وجلست وسطهن ولكنهن لم يشعرن بوجودي لاندماجهن مع ما يعرضه التلفاز من برامج الأطفال. فأغمضت عينيَّ وعدت مضطرا إلى ظلام وحدتي، وبعد فترة سمعت صخب وضجيج حولي وأيادي تعبث في شعري وأفواه تقبلني، ففتحت عينيَّ فإذ بالظلام ما زال موجودا، والأيادي والأفواه كانت لبناتي اللاتي أخيرا عرفنني وشعرن بي، ولكن للأسف لم يستمر هذا الوضع طويلا. ففجأة صدر صوت كالذي يصدره جماهير الملاعب عند تسجيل هدف (هيييييييييييه الكهربا جات) وبعدها ساد الصمت القاتل مرة أخرى، ورجعن إلى التلفاز ونسينني، ورجعت إلى الفيسبوك، وعادت حليمة لعادتها القديمة.
قصة قصيرة على لساني
د. ابراهيم مصري النهر

هناك تعليق واحد: