نساء من الزمن القديم
صبيحة ملكة قرطبة
سيدة النفوذ والسلطان والإدارة السياسية المحنَّكة
أيمن دراوشة
تنقلنا صبيحة إلى بلاد الأندلس لنشهد صفحة من صفحات الحكم الأموي الذي انتقل إلى الأندلس بعد انتصار البيت العباسي وانتقال مركز الخلافة في الشرق إلى بغداد.
صبحية هي زوجة الخليفة الحكم المستنصر بالله ، وهي سيدة ذائعة الصيت قوية الشخصية ، ومن ربات النفوذ والسلطان والإدارة السياسية ، وقد انتشر سلطانها على بلاد الأندلس فترة طويلة من الزمن ، وكان لها تأثير بالغ في الأحداث السياسية ، كما ارتبط اسمها بالنهضة العلمية والاقتصادية في عهد زوجها الحكم المستنصر بالله ، وعهد وصايتها على ابنها الخليفة هشام بن الحكم.
اتصف زوج صبيحة الخليفة الحكم بأنه من رجال الفقه والعلم ، وقد حول قرطبة إلى ملتقى للعلماء والأدباء والفقهاء الذين زحفوا نحوه من سائر أقطار العالم الإسلامي ، حتى حفلت جوامعها بالعلماء والحكماء والشعراء ورجال الدين وطلاب العلم والدراسة ، وكان من أبرز طلاب العلم في قرطبة محمد بن أبي عامر الذي لعب فيما بعد دورًا بارزًا.
وقد هيَّأ انصراف الخليفة إلى أمور العلم ، الفرصة لزوجته صبيحة كي تتحمل عنه عبء إدارة شؤون البلاد ، فكانت نبيهة ذكية شديدة التدبير ؛ فكان هذا سببًا أن يمنحها الخليفة سلطات واسعة ، أدَّت بها لأن تصبح صاحبة الكلمة النافذة المسموعة بكل ربوع الأندلس ، وقد حملت العبء بكل اجتهاد وتفوق ونجاح.
وشيئًا فشيئًا أصبحت سلطة الحكم المستنصر سلطة اسمية ، بينما أصبحت السلطة الفعلية بيد صبيحة وحدها ، وغدت محط أنظار الناس والأدباء والقادة والوزراء والسفراء ...
كما ترأست مجالس الحكم ، وجهَّزت الجيوش لحماية بلادها والدفاع عنها.
وحين ازدادت أعباؤها طلبت كاتبًا قديرًا ليقوم بتحرير أوامرها وتبليغها ، فوقع الاختيار على الشاب الذي كان يتلقى علومه بجامع قرطبة محمد بن أبي عامر.
كان محمد بن أبي عامر شابًا وسيمًا ذكيًا لا يتجاوز السادسة والعشرين من العمر ، وقد ارتقى بسرعة في عهد صبيحة حتى أصبح مستشارًا لها ، وأصبح يتقدم لها بالهدايا النفيسة ، فمالت إليه وكلفته بإدارة ممتلكاتها وممتلكات ابنها هشام ولي العهد ، ولما كَثُر الكلام حول محمد بن أبي عامر ، أبعده الخليفة إلى مراكش ، وكلفه بإدارة بيت المال هناك ، ولكن ابن عامر أنجز المهمة بسرعة خاطفة وقفل راجعًا إلى قرطبة.
مرض الخليفة الحكم المستنصر ، وأصبح على وشك الموت ، فدعت صبيحة لعقد مجلس كبير ضم أشراف وأعيان وقادة الجند في الأندلس ، وفي ذلك الاجتماع أقر الجميع بخلافة هشام والده ، وكان هذا الإقرار هو ذروة جهد صبيحة ، فقد تمكنت من تأمين الخلافة لابنها هشام بن الحكم وعمره آنذاك لا يتجاوز الحادية عشرة ، وقد ساعدها في جهدها محمد بن أبي عامر...
وبعد فترة قصيرة توفي الخليفة واستلم ابنه زمام الحكم تحت وصاية والدته صبيحة ، وكافات أبي عامر بان جعلته مفتشًا عامًّا للقصر السلطاني.
وهكذا ظهرت صبيحة ملكة فعلية تدير سياسة الأندلس ، فقامت بتخفيض الضرائب عن الناس وركزت جل اهتمامها في مجال العمران والاقتصاد ، وضبطت الأمن ، وقضت الحاجات ، وأولت النهضة العلمية والأدبية كل رعايتها.
لكن الدهر سرعان ما تغير ، وبرز لها منافس لم تتوقع خيانته أبدًا ألا وهو محمد بن أبي عامر الذي أحبته وقدرته ورفعته إلى أعلى المناصب ، لكنه ما لبث أن تكبر وتجبر ، ولكي يتمكن من أمره قام بمحاربة الفلاسفة وتزعم حملة الإطاحة بهم ، كما كسب ود الفقهاء ، واتخذ جندًا له من مرتزقة المغاربة ، ونصارى الشمال ، فأغدق عليهم الأموال لينال رضاهم وتأييدهم ، حتى أخذ يفكر بالانفراد بالحكم ، وإبعاد صبيحة وابنها هشام بن الحكم.
وكان لزواجه من ابنة قائد الجيش أن زادت العداوة والمنافسة بينه وبين الملكة صبيحة حتى اشتعلت المنافسة بينهما فعكَّرا صفو الحياة ، وأدخلا القلق إلى نفوس الناس ، ولم يتمكن أحدهما من الانتصار على الآخر ؛ ليستمر الصراع طويلًا بدون حسم ، لينتهي هذا الصراع المثير بموت محمد بن أبي عامر لترتاح الملكة من جميع المنافسين نهائيًا.
وظلت صبيحة قائمة على الحكم تدير شؤون البلاد بكل ثقة وجدارة حتى توفيت في عام 398 ه ، حيث بدأت أحوال الأندلس بالتدهور ، وأصبحت تشهد أيام الذل بعد أن عاشت أيام العز والمجد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق