الاثنين، 23 ديسمبر 2019

وفاء الحيوان .



 كتب : علي مهران
الصيف فى صعيد مصر صعب جواره ، فلا طاقة لمن يعيش بجانبه إلا من تكيف معه وتحايل ، فنهاره قطع من لهب ، لا يتحمله أحد خاصة جنوبه الذي يشتعل النهار فيه ، أما من اعتاد عليه ، وكيّف حياته ليتعايش مع تلك الحرارة الملتهبة يسعى جاهدا ليتحايل وليبحث عن وسائل ترحمه من ذلك اللهب ، ومن قيظ الشمس المحرقة ، فلا مراوح ولا مكيفات لأن الأهل لا يعرفون تلك المسميات في ذلك الزمان فزمن الستينيات في جنوب الصعيد اتسمت الحياة فيه بقسوتها وحرمان أهلها من متع الحياة وترفيهها ... ومن رحمة الله بعباده أنه لطّف من الجو ليلا فجعل نسيمه عليلا ، يحلو فيه السهر ، وأخص بالذكر أيام القمر، فتلك الأيام التي يظهر فيها القمر بريقه وجماله ، فيجذب أنظار أهل الصعيد فتحلو الجلسات ويتبادلون أطراف الحديث ، يقصون القصص للمتعة والعبرة ، جلس كامل ورفاقه بعد العشاء علي الأرض المفروشة بالعفش (القش) الناتج من بقايا قصب السكر، الذي له باع في الصعيد خاصة جنوبه ، جلس الرفاق يتسامرون ويتجاذبون أطراف الحديث ، فهنالك من يقص القص بأسلوب جذاب ، وآخر خفيف الظل يروي داعبات ليخفف وطأة النهار القاسي ، وينسي القوم الآثار النفسية السيئة التي تعايشوا معها جراء الحرارة وانعكاساتها على الناحية الانفعالية في نهارهم ، وثالث ينقل لهم ما غاب عنهم من أخبار المنطقة بحسه الإعلامي ، فهذا مندوب منهم للبحث عما هم جديد ومعرفة أخبار الأهل والمحيطين ليقوموا بعمليات التواصل الاجتماعي ، مشاعر سارة للمشاركة أو مؤلمة لتخفيف الضعوربالحزن ، فحياة الصعيد ترتكز على المشاركات الاجتماعية بشكل أساسي .وتلك جلسات يومية ، قد اعتادوا عليها ليخففوا من وطأة الحياة ، وبينما تغمرالمحبة جلسة كامل ورفاقه والألفة فيما بينهم ، فإن على جانب آخر ترخي جلسة أطرافها فتشمل سمّارا آخرين يجلسون وعيونهم تترقب ، جلسة كلبين وهما باسطان ذراعيهما بالقرب من كامل ، يتسامران ويقصان قصصهما بلسانهما ولهجاتهما ، يعلمها الذي خلق وسوّى ، فهم لهم مشاعر وأحاسيس مثلنا منها ما يسعد ، ومنها ما يؤلم ، فكل له شأن يغنيه ، ومع مزاولة السمر لم ينس الكلبان اليقظة والحذر، فهما يخلصان لسيدهما كامل ويتابعانه ، أخذ كامل شحنة سمرليست بالطويلة استمد منها مقتطفات يتذكرها ليأنس بها ويكررها في ذاكرته في فترة خلوته بالحقل ولما استأذن كامل من رفاقه ، وأمسك بعصاه ليذهب إلى حقله هب هذان الحارسان يتابعان سيدهما كامل ، بكل إخلاص دون كلل أو كسل ، فمن سماتهما الوفاء ، ونظرا لطبيعة الحرفي النهار، ولعلم كامل بأن الري في ليل الصيف أفضل من نزول الماء في لهيب النهار، لذلك آثركامل الري ليلا ، ليريح جسده ونباته من قطع الجمر التي تضره هو والزرع ، وقد اعتاد المزارعون على رى الذرة الشامية ،على فترات متقاربة فهى لا تتحمل العطش كالقصب ، ومن  المروءة فيما بينهم سمحوا لمن يزرع الذرة أن يكون لهم قصب السبق فى الرى قبل محصول القصب ، هذا ما تعارفوا عليه فيما بينهم ، فما جزاء من أراد بالقوم سوءًا  وبدل ما أبرموا عهدهم عليه إلا أن يلقى جزاءه ؟
وصل كامل ومعه كلباه إلى الحقل ، خفف كامل ملابسه ، واتجه ليسد السدود من من غيطان القصب المحيطة بغيطه ويحمّل الماء في غيط الذرة (غيطه) كما اعتادوا ،  ..قسم الكلبان العمل فيما بينهما من تلقاء نفسهما  فبقي أحدهما بجوار الملابس   وذهب الآخر مع سيده كامل لحراسته وحمايته من الذئاب الضارية والذئاب البشرية ، وفى جنح الليل الغربيب سمع كامل نباح الكلب الذي يتابع الملابس ويراقب القناة التي تصب في غيطه الماء ،زاد نباح الكلب ، إنه ينبه سيده ويستنجد برفيقه من بني جلدته ، ليزداد قوة إلى قوته فكما قالوا "الاتحاد قوة " ، بلغ كامل ما يبغيه الكلب وأدرك إنه نباح غريب فقال كامل فى نفسه : الكلب في حلة هجوم ، فمن ياتري يهاجم الكلب ؟ّ ، تابع  كامل النباح وأعقبه النواح يا ترى ما بال الكلب ؟!  ومن ذا الذي تعرض للكلب ؟ ، ومن صاحب ذلك النواح ؟ّ! ، كامل  يتساءل ، ولم يجد بدا من أن يركض تجاه الكلب ليرى ما الأمر ، توجه كامل مسرعا إلى كلبه ، ليتابع الحكاية . كامل رأى شبحا عن بعد ولما دنا منه صاح : من ؟!
عطية رد متلهفا : أنا عطية جارك ، انقذنى يا جارى ، فقد أشرفت على الهلاك .  فما الموت عني ببعيد ، نادى كامل كلبه فجاءه مسرعا وترك الكلب عطية لشأنه .
عندئذ شعرعطية بالخجل وكأن لسان حاله يقول : أيتها الأرض أنشقي وابلعي عطية ،ياليت أم عطية لم تلد عطية ، فما تلك الأنانية التي اكتسيت بها إنهاأعمت البصيرة ، وتشابكت يداه ففركهما ، يعبربهما عن مدى الخجل الذي التصق به جراء فعلته ، فقد أدرك مدى جرمه بعدما استفاق على يد الكلب ، الذي أيقظه من غفلته وقال في نفسه : أنا خائن والكلب وفي ، فواعجبا لأمري ! ،  ووجه عطية حديثه لكامل .
عطية : سامحنى يا جارى فقد غلبت عليّ نفسي وخالفت العرف ، وأردت أن أمنع  الماء عن الذرة الأكثر احتياجا للماء في هذا الجو اللافح ، وأحملها إلى القصب الذي يمكنه أن يتحمل إلى حين أن تفرغ من ري الذرة ، فسلط الله عليّ الكلب . وكان الكلب أوفى ، فواعجبا !ّ، وأكرر فواعجبا !
كامل : عفا الله عنك يا عطية ، اهدأ ، اهدأ ، وخذ نفسا عميقا .
عطية : وهو كذلك ، تمالك عطية نفسه وأخذ نفسا عميقا وقال :  لكن عجبت لأمر الكلبين ،  فقد قسما بينهما المهام بلا أنانية ، وأنا الإنسان غلبت علىّ نفسى وكسرت ما اعتدنا عليه من عرف ، فقد تعلمت اليوم درسا من دروس الحياة ، فالحياة مليئة بالعبر ، فعلا يا لوفاء الحيوان ! ، ويا لطمع الإنسان !
كامل : لا بأس عليك يا عطية ، من أخطائنا نتعلم ، فالتعليم من التجارب أقر في النفس  وأثبت من تعليم الكتب ، فكم أنت مؤثرة أيتها الحياة ! ونحن منك نتعلم ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق