الأحد، 29 ديسمبر 2019

الهوية و الترجمة



كتب :
أيمن دراوشة
بدايات الترجمة
يجمع الغالبية العظمى من الباحثين والمهتمين على أهمية الترجمة، فهي بوابة الاطلاع على العلوم والآداب الجديدة لمختلف الشعوب، ووسيلة للحوار مع الآخرين. ومنذ القدم كانت طريقة مركزية لنقل معارف وثقافات الشعوب فيما بينها.
وحسب الدراسات المعنية في الترجمة، فإن بداياتها موغلة في القدم، فقد عرفت الحضارات القديمة الترجمة، كالحضارة المصرية وحضارة بلاد الرافدين وغيرها.
أما في الحضارة الإسلامية، فكان أهم حركة للترجمة هي تعريب الدواوين عن الإغريقية والفارسية في عهد عبد الملك بن مروان ومن ثم ابنه الوليد بن عبد الملك.
وكانت بدايات الترجمة العلمية الحقيقة في العصر الأموي على يد خالد بن يزيد الذي توفي في 704م، إذ بعد دراسته للطب والكيمياء، اهتم اهتماماً شديداً في ترجمة الكتب الطبية وكتب الكيمياء والفلك، غير أنَّ الأمويين لم يكونوا مهتمين بالترجمة ولا بالنقل عن الحضارات الأخرى وإقامة حوار معها، فقد كانوا مشغولين بالفتوحات الإسلامية، واهتموا بفن العمارة خاصة.
وعندما استلم العباسيون الحكم، اهتموا بالترجمة، وقام الخليفة أبو جعفر المنصور بترجمة بضعة كتب من تراث الحضارات القديمة متعلقة بالطب والفلك والفلسفة. حتى جاء هارون الرشيد الذي شغف بتراث الأمم السابقة، وعمل على ترجمة الكثير من الكتب، وأهم ما قام به في هذا الشأن هو عمله على تأسيس دار الحكمة.
ووصلت عملية الترجمة ذروتها في عهد الخليفة المأمون الذي لم يتوان عن تقديم الدعم المادي والمعنوي لدار الحكمة والعاملين فيها، كما أنشأ المدارس الخاصة بالترجمة، وأرسل البعثات العلمية إلى الخارج، وسعى إلى الالتقاء بالعلماء والمترجمين من مختلف الأمم للاستفادة من أفكارهم وتجاربهم وخبراتهم. وفي العصر تم ترجمة الكثير من الكتب المتنوعة، وتضمنت كتب الفلسفة والمنطق والعلوم المختلفة والأدب.
وفي العصر الحديث، بدأت حركة الترجمة على يد محمد علي باشا، الذي أنشأ "مدرسة الألسن عام 1835 التي خرّجت ما يقرب من سبعين مترجماً، ترجموا ألف كتاب". (ماجد نجار. "الترجمة: أصلها التاريخي ونموها في الوطن العربي". في الترجمة في خدمة الحضارة. تحرير الكاتب عبدالله الشنّاق، عمان: جمعية المترجمين الأردنيين، 2002م، ص 39)
ومن مصر انتقلت حركة الترجمة إلى بلاد الشام.
ولعبت الترجمة دوراً مهماً في القرن الماضي في حركة النهضة العربية، وبعد أعوام من العزلة والتكلس في التفاعل العلمي والثقافي، فإنَّ حركة الترجمة العربية تشهد نشاطا ملحوظا منذ بداية القرن الحالي، وهذا يعني أن العالم العربي يسير بثقة نحو الدخول في عصر جديد من النهضة الفكرية والعلمية، نظراً لمكانة الكتب المترجمة وقيمتها العلمية والثقافية والأدبية.
مفهوم الترجمة وأهميتها
يقول ابن منظور في لسان العرب: "ترجم: التّرجمان والتّرجمان: المفسّر للسان. وفي حديث هرقل: قال لترجمانه، الترجمان، بالضم والفتح: هو الذي يترجم الكلام أي ينقله من لغة إلى لغة أخرى، والجمع التّراجم". ( ابن منظور. لسان العرب، باب الميم، فصل التاء، مادة ترجم)
وَيُعد رفاعة  الطهطاوي من أهم المفكرين الذين اهتموا بالترجمة، حيث نقل إلينا كتابه الشهير "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"  الذي تناول فيه ما وصلت إليه فرنسا من تقدم علمي وعلى صعيد القوانين والدساتير والفنون أيضا. واعتقد الطهطاوي أن أفضل طريقة لاكتساب المعرفة من الغرب هي إرسال البعثات وترجمة كل ما يفيد العرب.
وقال عن  الترجمة، بأنها فن صعب وخاصة فيما يتعلق بترجمة الكتب العلمية التي تحتاج: "معرفة اصطلاحات العلوم المراد ترجمتها، فهو عبارة عن معرفة لسان المترجم عنه وإليه وفن المترجم فيه". (دراسة محمود حجازي. أصول الفكر العربي الحديث عند الطهطاوي، ويتضمن كتاب (تلخيص الإبريز)، القاهرة: الهيئة العمة للكتاب، 1974م، ص 142).
وتعني الترجمة "نقل الأفكار والأقوال من لغة إلى أخرى مع المحافظة على روح النص المنقول". (إبراهيم المنسي. الترجمة: أصولها ومبادئها وتطبيقاتها، الرياض: دار المريخ للنشر والطباعة والتوزيع،ط1، 1988م، ص 11)
وتنبع أهمية الترجمة من كونها منبه ومنشط لغوي وثقافي لا بُدَّ منه، وهي "جهد بنّاء تتولاه جماعة هي طليعة في لغتها الأم وفي لغة أو لغات أخرى، وذات قدم راسخة في علم أو أدب،  لتسد بالترجمة نقصاً تحسه في ثقافة قومها، أو تحقق بها كسباً وغنى لتلك الثقافة". (شحادة خوري. "الترجمة والثقافة"، في: مجلة التعريب، منشورات المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر، العدد العاشر، 1995م، ص 63-73)
وتعمل الترجمة على هدم الحواجز اللغوية، وجدران الاختلافات بين الشعوب، وتتيح للفكر الإنساني وإبداعاته الانتشار في كل مكان، وبالتالي يصبح في متناول الجميع وملكاً للإنسانية قاطبة.
ومن خلال الترجمة تم إثراء الثقافة العربية بالمعارف في  مجالات عدة.
ولا بُدَّ لنا من القول إنه لنجاح عملية الترجمة يجب توفر متطلبات عدة، أهمها أن يكون المترجم متمكناً من لغته الأم، وعلى معرفة عميقة بالغة المصدر وخصائصها الأسلوبية، ليستطيع استيعاب الجوانب الحساسة للمعنى، وفهم القيم الشعورية والانفعالية للألفاظ. وإذا تعلق الأمر في الترجمة الأدبية الإبداعية، لا شك أن المترجم بحاجة إلى معرفة ثقافة وحضارة اللغة التي يترجم عنها، وخصائص المجتمع، ليفلح في التعبير عن ما أرداه الكاتب بشكل دقيق.
عثرات حركة الترجمة العربية
عانت عملية الترجمة في الوطن العربي من عثرات عديدة، ونتج ذلك بسبب غياب التخطيط وفقدان التنسيق بين البلدان العربية. واشتغال غير المؤهلين في موضوع الترجمة، ويمكن لنا أنْ نلاحظ أن عملية الترجمة قد وقعت في مطب ترجمة أعمال لم يكن لها أي فائدة لعدم حاجتنا لها، كما كان هناك تركيزاً على موضوعات الآداب والعلوم الاجتماعية على حساب الكتب المتعلقة بالتقنيات والعلوم التجريبية.
ومن خصائص حركة الترجمة السلبية أيضا أنها "لم تبلغ مرحلة النضج من حيث اللغة والأسلوب والمصطلح، وغلب على الكثير من الترجمات طابع العجلة والتسرع". (شحادة خوري. "الترجمة والثقافة". مرجع سابق)
الترجمة والمثاقفة
إنَّ الترجمة لا تعني بتاتاً النقل من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية وحسب، فهي بذلك تعني أنها فعل ثقافي في درب واحد. وتدل على حالة خمول وكسل لا يصاحبه فعل إنتاجي، فالأخذ وحده "قد يورث تبعية تجافي الاستقلالية الفكرية والكرامة القومية، ويؤدي إلى إمحاء الذاتية الثقافية للأمة، إذ تقع في التقليد الأعمى والببغائية الصمّاء...ويتضاءل فيها الأنا إزاء الغير". (شحادة خوري. مرجع سابق)
لذا على حركة الترجمة العربية أن تسير في الاتجاهين، ترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، وترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الأجنبية. ولدينا الكثير لنقدمه على الصعيد الفكري والثقافي قديمه وجديدة إلى العالم. وهذا أمر لا مناص منه لتكون حركة الترجمة فاعلة ومؤثرة في كلا الاتجاهين، وفي ظل التفاعل والتشابك في الإنتاج الفكري، ليخدم الإنسانية جمعاء.
إثراء ثقافي أم اغتراب
هوية الإنسان الثقافية المميزة، هي شيء ثابت لا يصح التخلي عنها، وفي نفس الوقت لا يمكن للهوية الثقافية الانغلاق وبناء أسوار حولها وعزل نفسها عن ثقافات الأمم الأخرى، فنحن في عصر التطور التكنولوجي الهائل وغير المسبوق في المواصلات والاتصالات، والذي أتاح للشعوب التعارف والتفاعل، والاستفادة من كل ما هو مفيد وحسن، والتفاعل والتشابك مع الثقافات المتنوعة لا يحتاج أكثر من الثقة في النفس، فالتأثر والتأثير بين الثقافات لا يعني الذوبان والتلاشي، بل البحث عن الأفضل والأجمل لصالح الإنسانية.
والثقافة هي كل ما ينتجه المجتمع في أحواله المختلفة، وتتفاعل مع ثقافات الآخرين وتستفيد منها، إلا أنها يجب أن تحافظ على تراث الماضي بما يحويه من إيجابيات، وتعيش الحاضر وتتفاعل معه والسير نحو المستقبل بثقة واقتدار. وهذه هي الثقافة الحقيقة والقوية والخالية من أمراض الضعف والهشاشة.
فثقافة بلا إثراء واغتناء ثقافة مقفرة وسلبية، لذلك علينا الجمع المحكم والواعي بين ثقافتنا العربية الموروثة والثقافة الحديثة المقبلة علينا من الخارج، "والترجمة إلى العربية أحد مسالكها، أي الجمع بين ما نسميه الأصالة والحداثة، على أساس التكامل لا التفاضل، والتجديد لا التقليد، هو سبيل الاغتناء بما تقدمه المعارف المترجمة، والطريق إلى أن نعايش العصر بأفكاره وإبداعه وعلومه وتقنياته ونشارك فيها". (شحادة خوري. مرجع سابق)
أما التقوقع في شرنقة ثقافتنا العربية الموروثة، وعدم تثويرها، والانعزال عن ثقافات العالم، فيؤدي إلى الجمود والتكلس والتخلف، وأيضاً الانبهار بقشور الثقافات الدخيلة، يفصلنا عن جذورنا، ويلقي بنا في حياة الاغتراب والتيه.
فالترجمة سلاح ذو حدين، فقد أدت إلى انخلاع بعض المثقفين عن جذورهم، وغرقوا في حياة من الاغتراب والضياع، ولكنها أيضاً أمدت وأثرت الفكر العربي بما ينير دربه، ويعمل على تطويره وتقدمه إلى الأمام.
فمجتمعنا العربي وعلى الرغم مما يعانيه من صعوبات ومشاكل إلا أنه مجتمع نام وفي حالة نهوض وتقدم مستمر، يستذكر الماضي ويستلهمه، ويعمل على تشكيل حاضره ويبنيه نحو الأحسن، ويستشرف الغد المزدهر، ويسير إلى الأمام بثقة من أجل تحقيق حلمه في بناء مشروعه الحضاري غير عابئ بالحواجز والعقبات.
وعليه أن يجير عملية الترجمة وهي إحدى أعمدة الثقافة لمصلحته، ولمصلحة بناء مشروعه الحضاري الإنساني، لتكون الترجمة معين له في التقدم والتطور، لا في الاغتراب والتشيؤ...
وأخيراً، هل نجحت الترجمة في أداء دورها الفاعل في بناء المعرفة أغنائها؟
الترجمة لست إلا حلقة في سلسلة، تبدأ في امتلاك المعرفة باللغة الأم فالتجارب أثبتت أن فهم واستيعاب المعرفة يكون أسهل عندما تكون باللغة الأم، وبناء المنظومة الفكرية وتقوية الانتماء والولاء للهوية الاجتماعية، وبالتالي الانتماء إلى الثقافة الوطنية.
وعن الترجمة ودورها في بناء الهوية، يقول الباحث بسام بركة: إن الترجمة ولا شك عامل مهم من عوامل التّطوير والتقدم في مجال الفكر والمعرفة، ولكنها ليس بمفردها قادرة على تطوير الفكر وبناء الهويّة، فهي يمكن أن تكون البداية لوضع لبنة من لبنات البناء الفكري والثقافي في المجتمع الذي يتلقّاها، فالترجمة لا تحمل "أبناء اللّغة التي يترجم إليها على الالتحاق بركاب التطوّر الفكري، بل على العكس من ذلك، فأبناء هذه اللّغة هم الذين يحملون ما يترجم إلى لغتهم، وهم الذين يستوعبونه ويتمثّلونه". (بسام بركة. "الترجمة إلى العربية، دورها في تعزيز الثقافة وبناء الهوية"، مجلة تبيّن الفكرية الثقافية، العدد1، مجلد1، صيف 2012م، الدوحة. ص 97-116)، وبذلك يستطيعون التقدم والتطور في العلم والفكر. فأبناء اللّغة عليهم أن يحملوا الفكر المنقول عبر الترجمة، بمعنى أن يهضموه ويتدبّروا مضامينه، ويضعوه تحت مشارط النقد، ويخضعوا مضامينه "للبحث والتفسير، حتى تدخل في سياق منظومتهم الفكرية، وهو ما يجعلها تتلاءم مع إطارهم الثقافي وتتلاءم مع شبكة الأفكار الراسخة في سياق التيارات الاجتماعية والفلسفية والحضارية المعاصرة لعمليات الترجمة التي ينقلونها". (بسام بركة. مرجع سابق)
كما أنَّ على الدولة أن تقدم كل ما يلزم من دعم مادي ومعنوي للقائمين على الترجمة، وما زالت عملية النهوض بالترجمة تواجه تحديات كبيرة، و بحاجة إلى الكثير من التخطيط والتدبير لتحقيق أقصى فائدة ممكنه منها.






المراجع
(ماجد نجار. "الترجمة: أصلها التاريخي ونموها في الوطن العربي". في الترجمة في خدمة الحضارة. تحرير الكاتب عبدالله الشنّاق، عمان: جمعية المترجمين الأردنيين، 2002م، ص 39)
( ابن منظور. لسان العرب، باب الميم، فصل التاء، مادة ترجم)
(دراسة محمود حجازي. أصول الفكر العربي الحديث عند الطهطاوي، ويتضمن كتاب (تلخيص الإبريز)، القاهرة: الهيئة العمة للكتاب، 1974م، ص 142).
(إبراهيم المنسي. الترجمة: أصولها ومبادئها وتطبيقاتها، الرياض: دار المريخ للنشر والطباعة والتوزيع،ط1، 1988م، ص 11)
(شحادة خوري. "الترجمة والثقافة"، في: مجلة التعريب، منشورات المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر، العدد العاشر، 1995م، ص 63-73)
(بسام بركة. "الترجمة إلى العربية، دورها في تعزيز الثقافة وبناء الهوية"، مجلة تبيّن الفكرية الثقافية، العدد1، مجلد1، صيف 2012م، الدوحة. ص 97-116)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق