الثلاثاء، 24 ديسمبر 2019

الوجه الأخر .. مصطفى نمر



- اهتزت المدرجات ووقف الجميع على أطراف أصابعهم وتوترت الحبال الصوتية في الحناجر ووصلت مداها ... وارتعشت الأجساد من الفرحة عندما أحرز اللاعب (س) الهدف .. ووقف هو على النجيلة الخضراء يتأمل الجماهير التى تنظر اليه بشغف ويلتقط البعض الصور والباباراتزى تندفع اضاءات كاميراتهم لتسجل كل خلجه في جسده ، والبعض تناسب دموعه وآخرون في أحضان بعضهم البعض .. والباقي يقفز ويهلل ملوحا بالأعلام لتغطى الملعب وجماهير منتخب الضيف حل على رؤوسهم الطير ..وفى المقصورة الرئيسية صفق الرئيس ومعه اللفيف ونظروا للكأس التي اتت بعد غياب ولن تغادر بلدهم .
- الجو صحو والشمس تلقى أشاعتها بدلال على الأطفال الحفاة المتعرقين الذين يجرون خلف الكره المصنوعة من الشراب و(س) يحاورهم ويجندلهم واحد تلو الاخر كجندي ليسقطوا أمامه حتى يدخل بالكرة مرمى الخصم ، الكرة ليست هوايه بل روحه التى ينشرها فى طول الملاعب وعرضها اى كانت على ارض ترابيه او ارض نجيله او اسفلت حتى .. وسرعان ما انتشر خبر موهبته انه سيكون خليفه اللاعب الدولى (ص) فى الملاعب وسرعان ما التحق بمركز شباب القرية وكان حلم صعب المنال بسبب ظروفه الحياتيه بجانب عمله المضنى فى الحقول وانكسار ظهره فى الجمع وتسويه فى مواسم الحصاد...
- متنفسه الكرة وحياته يديرها بقدمه كيفما شاء ولم تخذله يوما فيلعب للمتعه وينتقم من الجميع باللعب ومره أخرى المتعة ...
- تدرج من مركز الشباب إلى نادي صغير يلعب فى الدرجة الرابعه وزادت متعته وشغفه بالمستديرة التي أصبحت نداهته فعشقها كعشق امرأه لعوب تلاعبه ويلاعبها .. وترقى فى الأندية حتى وصل إلى مبتغاة والى أقصى ذروة المنتخب الوطني وبعده الاحتراف من اجل المتعة التي أخذت تقل منذ زمن بعيد بدخول السماسرة  والانتهازيين فانتقصت قليلا وتحول لسلعه بالنسبة لهم تباع وتشترى لمن يدفع اكثر .. واللعب صباحا في اى طقس في التدريبات بدون أعذار مع المدرب الاجنبى الذي لا يرحم ولا يقبل أعذار ففقدت حياته معناها وابتعد عن الجميع بما فيهم عائلته ولم يعد فى حياته الا المواعيد والمواسم  والتدريبات والمباريات هنا وهناك وبلدان غريبة وأناس وشوارع رائحتها بعيده عن تراب بلدته الصغيرة ... رحله صقيع داخله وخارجه وتحولت المتعه لكسب العيش فكان اقوى غدر من  محبوبته فصار يلعب بربع اماكنياته بل اقل ولكن هذا الربع يغطى على مواهب اقرانه فى بلده او فى غربته...
- ولم تكتفى الساحرة بخيانتها بل وكانت تظهر عورتها وعرضها للاعبين آخرين وتستعصى عليه هو الذى وهبها حياته فغدر ..وغدر أخر ..ودارت دائرتها فكرهها وكره جمهورها الذى عليه ان يسترضيه بأنفاسه التى تنقطع فعليه ان يركض لمده 90 دقيقه او اكثر غير عابئ بألامه وأوجاعه واقل هفوه منه تصير امه العوبه واضحوكه فى فم الجميع ورئتيه التى تئن من الضغط عليها واقدامه وعضلاتها الاماميه والخلفيه والضامه واربتطتها الضعيفه للركبه والكعب التى تواجه احدى عشر قدما قويا واحدى عشر كاره له وإحدى عشر يتمنى إصابته وموته وتعرضه للإصابات فعلا حتى كاد يكمل حياته على عكازين بالاضافه الى زملائه فى فريقه الذين لايمررون فشعر بوحدته فى وسط واحد وعشرون لاعبا من الفريقين...

- وعند نهايه كل مباراه ينتهى دوره كعبد يسلى الجميع الذين يتفرجون عليه ويشاهدونه كلاعب ليس له اى اهميه فى حياة الجماهير التى سرعان ماستنساه فى اقل اختفاء منه أو أصابه تستلزم غيابه عن الملاعب... الجميع يستطيعون الاستغناء عنه فما فائدته ؟؟ لاى أب أسره يجرى على رزق أولاده ، أو طبيب يعالج مرضاه وما أهميته أمام سباك لمواسير المياه أو كهربائي لشقة مظلمه أو مدرس لطالب أو لعامل نظافة في شارع أو حارة جانبيه فكفتهم تربح دائما وكفته تخسر دائما لافائده منه ... ماذا لو غاب صباحا عن الملاعب سينساه الجميع ويتذكره القليل وتخبو سيرته كما خبتت سير الذين سبقوه أين اللاعب (ص) الان أو اللاعب (ج) كلها كلمه واحده تقال للجميع " كان لاعيب" وشكرا ويبدأ فى التنطع ليكرر كلام معاد وبلا قيمه للمرة الالف فى القنوات التليفزيونيه ولا يتذكر احد معاناته أو الامه او تضحياته .
- ارتد بسرعة لوعيه ليبادل الجمهور التحيات ويفرح مع زملائه ويكمل مسيرته التي ستنتهي يوما بالنسيان .
تمت

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق