الصفحات

الجمعة، 8 نوفمبر 2019

قلم رئاسي .. قصة قصيرة محمد مكي



وسط أجواء احتفالية سعيدة بدأ الاجتماع داخل متجر الأدوات المكتبية الشهير الكائن في أرقى أحياء المدينة 
كان الليل قد انتصف وخف ضجيج البشر وانصرف البائعون 
وأغلقوا المحل وتهيأ الجو تماماً لبدء الاجتماع والاحتفال...

التف جميع الأعضاء في حلقة دائرية حول القلم الحبر الأسودالوقور - أقدم الأعضاء وأكثرهم حكمه ودراية-
 قال القلم : بالطبع قد وصلكم الخبر
أومأ الجميع برؤوسهم تأكيداً 
 وصاحت المسطرة في سعادة بالغة : هو أسعد خبر سمعته في حياتي
عقبت الممحاة قائلة : أخيراً أبتسم لنا الحظ 
قفزت أقلام الرصاص في الهواء ببراعة معبرة عن سعادتها وفتحت الكشاكيل ذراعيها وحركت أوراقها بطريقة مروحية مضيفة بهجة وسرور . لقد كان الخبر يستحق  فمنذ أن جاء ذلك الرجل الأنيق في الصباح وأشار إلى القلم الفضي المرصع بفصوص الذهب ثم طلب من البائع أن يضعه في صندوق أنيق داخل عبوة مذهبة تليق بمقام السيد الرئيس .
والكل مصاب بالذهول السعيد خصوصاً  حين أكد الرجل الأنيق على البائع كلامه وقال بأنه سيعود في الغد ليأخذ القلم كي يقدمه للسيد المحافظ الذي سيقدمه هديه لسيادة الرئيس حين يزور المحافظة بعد غد ..
البائع بدوره نفذ المطلوب ووضع القلم الفضي المرصع بفصوص الذهب في صندوق رائع مصنوع في فرنسا ثم وضع الصندوق في عبوة ذهبية صنعت في  إيطاليا .. 
صاحب المتجر استبشر بالخير الذي سيهل عليه حين يُعجب السيد الرئيس بالقلم المبتاع من متجره . وشرع في خياله يبني أفرع أخرى لمتجره في كل أنحاء الجمهورية 
أما الأدوات فسر سعادتها يكمن في اعتبار القلم الفضي المرصع بفصوص الذهب سفيراً منتظراً لها في قصر الرئاسة
سيحمل معه أحلام الأدوات وطموحاتها سينقل شكاواها للرئيس بصدق وإخلاص .

كانت أحلام الأدوات بسيطة . هم فقط يريدون معامله كريمة من الباعة والمشترين . فالمسطرة مثلاً صُنعت للتسطير والقياس لكن الناس استخدموها في الضرب والطَرق والتقطيع تلك إهانات لم تقبلها المسطرة في أي وقت لكنها لم تستطع أن تنهيها . الأقلام تعرف منذ مولدها أنها مخصصه للكتابه لكن الناس استخدموها أيضاً في مواجهة التوتر بالعض عليها وصنع الأطفال ألعاباً تعتمد على إهانة الأقلام وإيذائها  شكاوي الكشاكيل كانت الأكثر تعبيراً عن عِظم المأساة .. وهي التي أعدت نفسها لتحوي بين طياتها علماً وفكراً وثقافة لكنها اصطدمت بمن يمزقون أوراقها إرضاء لساديتهم . ويحولون شكلها الرصين المتماسك إلى ورقات مفككة تتساقط رغماً عنها .. كانت الأدوات تعرض شكاواها المعروفة أمام القلم الفضي المرصع بفصوص الذهب أثناء الاجتماع 
وكان القلم منصتاً أشد إنصات ومنتبها لكل ما يقال رغم تقيده داخل الصندوق والعبوة وعدم قدرته على الوقوف في الحلقة أثناء الاجتماع لكنه ناداهم من الداخل وأخبرهم أنه سمع كل شكاواهم وانه يعرفها منذ زمن .. ثم وعدهم أنه سينقلها بأمانه للسيد الرئيس وأنه لن يغمض له سِِن حتى يكتب بنفسه توقيع السيد الرئيس على قرارات تنصفهم وتعيد لهم حقوقهم المسلوبة ...
هنا قال القلم الحبر الأسود الوقور : بورك فيك يا بُني  
لو إستطعت تحقيق وعودك ستصير فخر الأقلام في كل زمان ومكان   
أكدت المسطرة على كلام القلم وأضافت : وسنحكي سيرَتك لكل الأدوات التي سنلقاها طوال حياتنا 
قالت الكشاكيل :سنُعدك بطلاً قومياً لكل الأدوات وسـ ..
لكن القلم الفضي ذو الفصوص الذهبية  أنهى الكلام في تواضع جم 
قائلاً : هذا حقكم عليّ لو كان أحد منكم مكاني لفعل مثلما سأفعل 
وفي الصباح جاء الرجل الأنيق وأخذ القلم بعد ما دفع مقابله ثمناً باهظاً يليق بمقام صاحبه المنتظر ومن فوق أرفف المتجر  ودعت الأدوات سفيرها ودعت له بالتوفيق والسداد ..

وفي اليوم التالي زار الرئيس المحافظة ونقلت شاشات التلفاز تفاصيل الزيارة .. جلس صاحب المتجر على كرسيه أمام التلفاز يتابع حتى جاء صوت المذيع قائلاً :هذا وقد قدم السيد المحافظ هديه رمزيه لسيادة الرئيس تعبيراً عن سعادته وامتنانه بالزيارة .
ظهرت صورة المحافظ وهو يهدي الرئيس عبوة ذهبية أثناء افتتاحه لعدد من المشروعات بالمحافظة .. تهلل وجه صاحب المتجر وهنأه العاملون . وكذلك الأدوات هنأت نفسها وأستعدت لسماع الخبر السعيد .. مرت الأيام والأسابيع والشهور والأدوات ما زالت في انتظار أن يفي القلم الفضي ذو الفصوص الذهبية بوعوده 
قالت المسطرة : المهمة ليست بسيطة كان الله في عونه 
وافقها القلم الرصاص مضيفاً : لا ينبغي أن نتعجل 
وأقرت الكشاكيل أن قرارات الرئيس في كل المجالات كثيرة جداً وليس من السهل أن يلتفت لشكواهم بسرعة ..
ظهر القلم الفضي ذو الفصوص الذهبية أكثر من مرة في يد الرئيس 
أثناء توقيعه على العديد من البروتوكولات القرارات ..
وحظي المحظوظ بصور عديدة له عبر الشاشات في كل أنحاء العالم 
كانت الأدوات تتابع تحركاته بشغف وترقب حتى مر قرابة العام .
وفي ذات صباح دخل المتجر مجموعة من رجال الشرطة يتقدمهم قائدهم ذو المهابة .. فزع صاحب المتجر والعاملين معه ..وساد الهرج في المتجر .. ثم قام القائد بإبلاغ صاحب المتجر بقرار هام 
يلزمه بإخلاء المكان فوراً وتسليم المتجر للشرطة تمهيداً لهدمه ..
وحين سأله صاحب المتجر عن البديل الذي سيضع فيه الأدوات ..
ويكون مصدر رزقه .. أخبره القائد بأن هذا الأمر لا يعنيه 
وأكد بأنه مأمور بالإخلاء الفوري تنفيذاً للقرار وإلا سيلقى به
وبأدواته في الشارع .. وحين استفسر صاحب المتجر البائس عن 
مصدر هذا القرار .. أجاب القائد بأنه قرار رئاسي يهدف إلى إقامة 
مشروع عملاق في المدينة ووجود المتجر سيعيق المشروع ..
وحين طلب صاحب المتجر أن يرى القرار بعينه .. كان القائد لطيف معه .. وقدم له الورقة .. التف العاملين حول صاحب المتجر وكذلك الأدوات ينظرون إلى القرار بإمعان .. كان كلام القائد صادقاً 
القرار سليم تماماً ومذيل بتوقيع السيد الرئيس بخط واضح  
من القلم الفضي ذو الفصوص الذهبية  ...

#قصة_قصيرة
#محمد_مكي

هناك 3 تعليقات: