الجمعة، 22 نوفمبر 2019

اختفاء الرجل الصالح .. قصة قصيرة ..محمد مكي



لا صوت في حارتنا يعلو فوق أصوات الباحثين عن الرجل الصالح.. فمنذ أن غادر الحارة غاضبا من أهلها والمصائب تتوالى.. حتى أيقن الجميع أنه لا أمل في الخلاص من سيل هذه المصائب إلا بعودة الرجل وإرضائه بأي وسيلة..
 لا شك أن دعوات الرجل على الحارة وأهلها قد استجيبت والحل في أن يسامحنا ويدعو الله أن يرفع عنا هذا البلاء..

لا أذكر ذلك اليوم الذي جاء فيه الرجل الصالح إلى حارتنا
. أول مرة.. فقد كنت طفلا صغيرا وقتها.. لكن أمي حكت لي..
كان رجال الحارة يجلسون على المقهى حين دخل عليهم الرجل في كامل أناقته وهندامه.. لم يكن يعرفه أحد لكنه ألقى السلام على الجميع ثم وقف في منتصف المقهى ودعاهم للإنصات إليه فأنصتوا..
أخبرهم أن لديه معلومات مؤكدة عن هجوم وشيك من البلطجية على الحارة.. وأنهم لن يتركوا بيتا ولا متجرا قبل أن ينهبوه.. ولن يستطيع أحد أن يمنعهم بسبب كثرة عددهم وشدة بأسهم...

فزع الرجال من الخبر.. قال أحدهم:- "إذن نبلغ الشرطة لتوفر لنا الحماية"
ضحك الرجل وقال:- "الشرطة لا تأتي إلا بعد وقوع الكارثة.. ألا تعلم ذلك؟!
قال آخر - بحماسة بالغة -" إذن نتصدى لهم بكل قوتنا.. هم رجال ونحن رجال "
علق شيخ مسن قائلا :-" حماستك في غير محلها.. نحن يا بني لا دراية لنا بأساليب البلطجية.. ولن نستطيع أن نجاري شراستهم... تلك معركة خاسرة..

تحرك الرجل الصالح خطوتين للأمام.. وقال بكل ثقة :-
" الحل عندي ولهذا جئتكم"
تعلقت به أبصار الجميع وطالبوه بأن يرشدهم فورا...
وضع الرجل يده فوق صدره وقال :-
" أنا رجل صالح مستجاب الدعوة.. وبمجرد أن أنظر في عيون البلطجية وأصيح فيهم سيرحلوا في الحال"
تعجب الرجال من كلام الرجل لكنهم أجمعوا على أن المياه تكذب الغطاس... فاتفقوا على استضافة الرجل في أرقى بيوت الحارة حتى قدوم البلطجية ورحيلهم - إن صدق-

وبعد ثلاثة أيام استيقظ الناس على الهجوم.. انتشر البلطجية في جميع أنحاء الحارة.. ووقفوا يلوحون بأسلحتهم البيضاء مطالبين أهل الحارة بتسليم ممتلكاتهم دون مقاومة منعا لإراقة الدماء..
وقف الرجل الصالح بكامل أناقته وهندامه وخلفه رجال الحارة في مواجهة البلطجية..
وصاح في قائدهم قائلا :- "ارحلوا قبل أن تصيبكم اللعنات"
ثم رفع يديه على هيئة الدعاء وتمتم بكلمات غير مسموعة..
أصيب البلطجية بالذعر..
 وصاح قائدهم فزعا :- "سامحنا يا رجل لا تؤذينا ولا نؤذيك" ثم انصرفوا

بعد رحيل البلطجية.. عمت الفرحة في الحارة واحتفل الناس بالرجل الصالح.. وأعلنوا تنصيبه زعيما للحارة.. وقرروا بناء بيت كبير للرجل على نفقة كل سكان الحارة - يليق بمقامه ومكانته -
وافق الرجل بعد إلحاح شديد من الناس.. وقال بتواضع جم
" هذا كرم زائد منكم"

مضت سنوات عديدة بعد تنصيب الرجل زعيما.. لم يظهر خلالها البلطجية إطلاقا.. رغم تأكيدات الرجل بأن الخطر مازال قائما.. ولولا وجوده لهلكت الحارة...

وفر لنا الرجل الصالح الأمن والأمان.. ونحن وفرنا له كل ما طلبه من أموال لكي يعيش منعما.. وكل المتاجر التي أمر آصحابها أن يتنازلوا له عنها.. وكل النساء اللواتي طلقهن من أزواجهن كي يتزوجهن.. هو
كل ذلك لايساوي شيئا أمام لحظات الأمن والأمان التي عشناها في وجوده...
قبح الله تلك الوجوه التي أغضبته ورفضت تنفيذ أوامره.. لولا فعلتهم الشنعاء.. ما رحل الرجل من حارتنا...

ها نحن نعيش أسوأ أيام الحارة... البلطجية في كل مكان يسرقون وينهبون...  كل استغاثاتنا بالشرطة لم تجدي نفعا..
ومازال الشيخ المسن يؤكد على أنه لا طاقة لنا لمواجهة البلطجية.... الحل الوحيد في عودة الرجل الصالح..

نبحث عنه في كل مكان و نسأل عنه في كل حارة...  انقطعت أخباره تماما...  إلا أن شابا أقسم منذ عدة أيام أنه رأى الرجل الصالح يجلس على مقهى في حارة مجاورة وبصحبته زعيم البلطجية... وكان الاثنان يضحكان بصوت عال.. وكأنها صديقين حميمين..

بالطبع استنكرنا جميعا هذا الخبر الكاذب.. واتهمنا ذلك الشاب بالجنون ومحاولة تشويه صورة الرجل الصالح في أعيننا.. خاصة وأن  ذلك الشاب كان ممن رفضوا الانصياع لأوامر الرجل الصالح من قبل.. فلم يطلق زوجته حينما أراد الرجل الصالح أن يتزوجها...
لا أدري.. ماذا يريد منا هذا الشاب وأمثاله... ألم يكفيهم غضب الرجل الصالح وما حل بنا من بعده.. ومازال وا يصرون على تشويه صورته....

لكن حارتنا.. تدرك هذه المؤامرات جيدا.. سنظل نبحث عن الرجل الصالح وعندما نجده.. سنقبل قدميه ليرضى أن يعود بيننا كما كان.. سيدا مطاعا... حتى وإن أعطيناه كل أموالنا.. وطلقنا لأجله كل نسائنا.....

#قصة_قصيرة
#محمد_مكي

هناك تعليقان (2):