كتب : أيمن دراوشة
لا ريب أن هناك علاقة قوية جدَّا بين الدراما واللغة، فالدراما توفر السياق من أجل التعلم للتحدث والاستماع، وتطوير لغة لفظية وغير لفظية لجميع الأطفال بشكل واضح وجلي. وهي تتضمن الأدوات الأساسية لتطوير لغة ناجحة، وإعطاء الأطفال مكانة ملائمة لهم ولأفكارهم.
وتعد اللغة أحد أكثر مجالات التعلم قوة وتأثير للأطفال في سن مبكرة، وهي مهمة لامتلاك وسيلة تربط الجسدي بالشفهي بالنسبة لهم. فالأطفال يجلبون معهم مهارات متطورة في قراءة الإشارات غير اللفظية، "ويستطيعون أن يشعروا بارتياح كبير من خلال الوسيلة، حيث تساعدهم المعلمة لفهم الوضع عن طريق جعلهم يقرأون مجموعة كاملة من الإشارات" (المصدر السابق. ص126) بالإضافة للكلمات المألوفة لديهم.
ومن العوامل التي تساعد في تطور اللغة، (أي ظروف تحتاجون لمساعدة الطفل؟) فأنه تم تشخيص ثلاثة عوامل باعتبارها حيوية لتطور اللغة، وهي: الفرصة للعب التخيّلي. وحوار مع شخص بالغ متعاطف. وبيئة متاحة.
والدراما تدمج كل هذه العوامل وتعززها جميعا، لأنها تقوم أساسا على "اللعب التخيّلي" حيث يمكنها أنْ تقدّم أكبر مجموعة من البالغين لكي يشترك معهم الطفل طالما أن المعلمة المتعاطفة التي تستخدم الدراما يمكنها أن تتبنى عددًا كبيرًا من الأدوار تناسب تعلمًا محدَّدًا، وشخصيات ذات نفوذ، جيدة وسيئة، وضحايا، ووسطاء، وبالغين أذكياء وحمقى، "وأناس يعرفون وأولئك الذين يفكرون بأنهم يعرفون ولكنهم لا يعرفون. فالأطفال يمتلكون أفضل ما يمكن من المتعة لفهم ذلك كله". (المصدر السابق. ص128)
ومن هنا، فإنَّ إمكانيات تعلم اللغة للأطفال الصغار من خلال الدراما كبيرة جدا. ولعل الشكل الآتي بحسب "نيلاندز" (المصدر السابق. ص128)، يمثّل ملخصًا بيانيًا لكيفية تولّد اللغة من خلال الدراما.
سياق جديد يُبنى من خلال الدراما
بناء أدوار قصصية ووجهات نظر جديدة
علاقات جديدة تتطور وتعمل في الدراما
حاجات لغوية جديدة تنشأ عن طريق وضع الدراما
حاجات لغوية تعالج في دور (وخارج الدور)
تطور اللغة هو النتيجة
ينخرط الأطفال في استخدام الدراما، والنتيجة تعني أن لديهم تجربة مشتركة معك تعتبر أساس الحوار الحاصل. وهذا يساعد الأطفال على الكلام والحديث بشكل طبيعي، فالحديث في الصف ليس مجر د حديث افتراضي للغة، بل لغة صعب استخدامها كلما كنتم أصغر سنًّا. والجزء الهام هنا يكمن أن التجربة "تتطلب أن تكون وتعمل وتفكر وتشعر في وقت واحد وفي الوقت ذاته. فمعظم أعمال الدراما تستخدم الأطفال فيما هو مؤثر في الشعور إزاء الوضع. وهذا ليس بعضًا من التدفق العاطفي المتساهل، وإنما استجابة منضبطة للأحداث والأدوار". (ص129)
ولا بُدَّ من توقف الدراما في هذه اللحظات لأخذ الوقت في التفكير بما تعنيه اللحظة. فاللغة المستعملة لوصف وضع ما في القصة، ستكون بالضرورة أكثر تماسكًا وتكاملًا وتطورًا بسبب البعد الشعوري.
والنتيجة لكل ذلك، أنْ تحوز اللغة هدفًا، وتصبح قريبة ومنتمية للأطفال، وهم يساعدون على إبداع وضع داخل السياق الدرامي للقصة. فهم يستعملون اللغة ليس بهدف الاستقبال فقط، بل من أجل القيام بفعل.
فالوضع الجديد المستحدث مهم، على الرغم من أنه بني على قصة خيالية، فهو يبدو حقيقياَ للأطفال وقويًا، لذا فأن حاجات اللغة والنمو شيء لا غنى عنه بناءَ على ما سبق.
والخلاصة هنا، أنَّ استخدام الدراما في التعلم، تتيح سياق من أجل التعلم للتحدث والاستماع وتطوير لغة لفظية وغير لفظية لكل الأطفال بشكل واضح وظاهر. وبناء سياق لتعلم اللغة من خلال استخدام اللعب، وإعطاء مكانة لهم ولأفكارهم.
فالدراما لها مفعولها القوي في تحفيز اللغة والتطور الاجتماعي للأطفال، لأنها ملائمة ومألوفة لهم.
الدراما وذوو الاحتياجات الخاصة
" إن اللبنة الأساسية للدراما هي اللغة (لفظية وغير اللفظية):
وهذا يعني أن الكثير من الأطفال الذين يكافحون بالقراءة والكتابة
محررون عن طريق النطاق الواسع لأشكال الاتصال في الدراما"
(الكتاب، ص159)
من الواجبات الرئيسية للمعلمات، أن يمتلكن خطة عمل تناسب تنوع القدرات داخل الصف، ومن المزايا المثيرة للدراما، أنها تملك القدرة على جعل الأطفال ينخرطون في المشاركة بغض النظر عن قدراتهم.
تتيح الدراما للأطفال التعلم مهما كانت قدراتهم. إذا وافق الطفل على قواعد الدراما، عندئذٍ يستطيع أن يحقق هدفاَ.
والاختلاف في أعمال الدراما يكون في النتائج وليس في التخطيط. على الرغم من أنَّ طرق التعليم قد تختلف لإفساح المجال لمشاركة الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة.
أطفال لديهم صعوبات تعلم
توفر الدراما بشكل كبير لمن لديهم احتياجات خاصة من الأطفال الوسيلة الناجعة لإيجاد صوت لهم، والشعور بالثقة، لأن الدراما تعمل على خلق سياق للتعلم، وترتكز على الاتصال اللفظي وغير اللفظي، ولا تعتمد بشكل رئيسي على القراءة والكتابة رغم أنها توفر حافزاَ لهذه الأنشطة بدرجة كبيرة، كما أنها تقوم بالعمل عبر عناصر اللعب واللعبة.
هكذا يتطور التعليم في الدول المتقدمة، فماذا عن وطننا العربي؟
إنَّ من الأسباب الرئيسية للكبوات في الوطن العربي ناتج أساسا من فشل العملية التربوية، فالتعليم في الوطن العربي يواجه مشكلات كثيرة، تبدأ بالميزانيات الشحيحة المرصودة ومرورًا في المناهج التي لا تتغير إلا شكليًا بعد مرور سنوات طويلة، ولا تنتهي بالملعمين والمعلمات الذين يدخلون في مسيرة التعليم دون خبرات أو دورات تمنحهم الامكانيات والمهارات اللازمة للقيام بعملهم المهم.
وبينما نرى الاهتمام الكبير بالنشء في الدول المتقدمة، والانشغال في كيفية تطوير العملية التربوية والمناهج، والأساليب التدريسية، ما زلنا نحن العرب نمارس نفس العملية منذ الاستقلال، فلا تطوير للبيئة المدرسية، ولا المناهج تواكب التطور الكبير في مختلف المجالات، والأساليب التدرسية لا توجد، اللهم إلا أسلوب التلقين الذي لا يتم بالمدارس وحسب، بل أيضا في الجامعات العربية مما خلق جيل يعجز عن فهم مشكلاته وحلها.
وإذا كان الاهتمام بالتعليم للطلاب العاديين هكذا، فإنَّ ذوي الاحتياجات الخاصة وصعوبات التعلم يتحطمون على أسوار المدارس لأنه ليس هناك طرق للتعامل معهم.
إنَّ استخدام الدراما في التعليم انتشر في الكثير من دول العالم، والتي حققت نتائج عظيمة بتخريج أفواج من الطلبة يعتمد عليهم في النهوض ببلدانهم، بينما لم يفكر وزير تعليم عربي بأحداث ثورة في وزارته للنهوض بالتربية والتعليم من خلال تدريب المعلمين والمعلمات على الطرق الحديثة في التعليم، والتي يجب أن تدرس في الجامعات كي يتخرج المعلمون وهم يملكون المعلومات والمهارات والمعارف اللازمة وإلا سنبقى نرزح تحت نير الضعف والهوان والتخلف، فالكلمة السحرية للنهوض بأوطاننا العربية هو العلم الذي لا يمكن أن نملكه إلا إذا جعلنا كل همنا كيفية مواكبة الأساليب العلمية الحديثة في التعليم.
إن أفضل النتائج يمكن الحصول عليها من المتعلمين، إذا كان المعلم يمتلك مهارات جوهرية ثلاث كما يقول عالم النفس كارل روجرز، وهي: القبول، والأصالة، والتعاطف.
إذ على المعلم أن يكون بلا أحكام مسبقة، ويقبل التلميذ كما هو. والأصالة تعني تقيما نزيها للذات كمعلم، فهل يدخل المعلم الغرف الصفية كما هو عليه حقيقة، أم يضع قناع السلطة؟ أما التعاطف فهو: "القدرة على وضع الذات في جلباب شخص آخر للتوصل إلى المعنى الحقيقي لما قد يشعر به". ((دافيد هيكس. تربية الأمل. ترجمة يوسف تيبس. رام الله: منشورات مركز القطان للبحث والتطوير. 2015. ص 107) فعندما يحس التلاميذ أنهم مقبولون كما هم، تصبح التفاعلات مفيدة للغاية، والتعلم العميق ممكنا.
وبما أن العمل مع التلاميذ سيكون صعبًا إذا شعروا بعدم الأمان، فقد وضع هيكس قواعد أساسيَّة تهب الطلبة الشعور بالأمان، وهي:
- التحدث: طالب واحد يتحدث في كل مرة، قد يكون بعد رفع اليد مثلا.
- الاستماع: من المهم الاستماع بانتباه لما يقوله الآخرون، وعدم مقاطعتهم.
- عدم الحكم: الاستماع دون إصدار الأحكام، واحترام وجهات النظر المختلفة.
المشاركة: لا بُدَّ من مشاركة الجميع بالنقاشات، وعدم استبعاد أحد.
التعبير: والأمر لا يتعلق بالإجابة الصحيحة، بل "العثور على طريقة تعبيره، الذي قد يكون فقط مشاركة ما يشعر به المرء مع المجموعة". (المصدر السابق. ص 111)
ولننظر الآن إلى واقع المعلم العربي الذي يعاني الفاقة وانسداد فرص التطور، وإلى التلاميذ وكيف يعانون في المدارس؟
آن الأوان لثورة تعليمية شاملة، تنهض بالوطن من كبواته التي طالت.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق