
بقلم أحمد كفافى
(أسبوع سينما إحسان عبد القدوس)..إعلان استحوذ على انتباهى عند خروجى الأسبوع الماضى من دور عرض (زاوية كريم) بوسط البلد..حيث تقوم السينما بعرض عدد من الأفلام المأخوذة عن روايات عبد القدوس لتعرضها خلال هذا الأسبوع بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد الكاتب الكبير...
أغلبها أنتجت بين فترة السبعينيات والتسعينيات من القرن الماضى..أشهرها (الخيط الرفيع)..(فى بيتنا رجل)..(يا عزيزى كلنا لصوص)..(أنا حرة)..(إمبراطورية م)..(الراقصة والطبال)..(الراقصة والسياسى) وغيرها...
كتب عبد القدوس حوالى 600 رواية قصيرة تحول 49 منها إلى أعمال سينمائية..معظمها يواكب الحراك السياسى الاجتماعى بين الستينيات والتسعينيات خاصة فيما يخص تحرر المرأة وخروجها إلى مجالى التعليم والعمل ثم علاقتها بالرجل بعد التغيير الذى طرأ على حياتها إثر خروجها إلى الحياة العملية..
لكن السؤال الذى يستوقفنى هنا بشدة والذى فجرته تلك المناسبة الثقافية الراقية: فهل عبد القدوس مخرج سينمائى حتى يقام أسبوع لأفلام قائمة على رواياته؟
بالقطع لا..
لكن لو نظرنا إلى مجمل تلك الأفلام سنجد أنها تشكل علامات فى تاريخ السينما المصرية..ليس فقط على النطاق الجماهيرى..لكن أيضا على المستوى الفكرى/السياسى/الاجتماعى..فلها الفضل هى وأعمال غيره من الأدباء فى إحداث تغيرات على مستوى الفهم والوعى...
وما ينطبق على عبد القدوس ينطبق أيضا على (يوسف إدريس) و(نجيب محفوظ) و (يوسف السباعى) وعلى حيز أقل على (عبد الحليم عبد الله) و(الغيطانى) و(القعيد)..فلو جاز التعبير أطلقنا على تلك الفترة (سينما الكُتاب) لإنها تشدد على أن القصور وأحيانا الفشل فى سينما عصر العولمة هو طلاق السينما من الأدب واستئثار السيناريست بكتابة القصة أو الدراما التى يقوم عليها السيناريو..
وعلى الرغم من نجاح بعض كتاب السيناريو فى وضع قصة مُحبكة لأعمالهم السينمائية..إلا أن الغالبية منهم يعانون من قصور واضح فى هذا المجال.. ما يجعل ملايين الجنيهات من ميزانيات الإنتاج تذهب هباء منثورا بسبب غياب ما يعرف باللغة السينمائية الــ "ورق" الجيد..فالقصة أو الرواية هى أساس العمل..فلو كانت غير صالحة للسينما فشل العمل فشلا ذريعا والأمثلة لدينا كثيرة..
لكن فى رائى هناك عدة أسباب لهذا التدهور:
أولا: أنه مع دخولنا عصر العولمة تحول إتجاه الإنتاج إلى السينما التجارية بغرض تغييب الوعى ومواكبة أذواق مرتادى السينما من ذوى الثقافة المحدودة.. فماتت أهمية الدراما التى يقوم عليها السيناريو،أصحبت أجزاء مفبركة لا تهدف إلى شىء سوى التسلية و تضييع الوقت..مع مرور الزمن قل الاعتماد على أعمال الأدباء وخبت الحاجة إلى كتاب السيناريو الملهمين من أمثال عبد الحى أديب ومحمود أبو زيد وبشير الديك وغيرهم..
ثانيا: أن انسياقنا الأعمى وراء السينما العالمية و التى أصبحت تعتمد على قصة السيناريست جعل المنتجين هنا يحاكون تلك الصرعة دون تأهيل السيناريست لهذا النوع من المهارة.
ثالثا: أن هناك ميزاينة معتمدة فى الإنتاج للقصة ــ وهى منفصلة عن السيناريو الحوارــ وغالبا ما يحب أن يستاثر بها كاتب السيناريو فترى من غير المتمكنين منهم أخطاء وتناقضات ونواحى قصور قد يندى لها الجبين.. وأتعجب كيف تمر على فريق من المنتجين والفنانين و المخرجين دون تمحيص ونقد!
رابعا: أنه ربما لا توجد أعمال أدبية بالوفرة التى يتطلبها الإنتاج السينمائى و التلفزيونى..لكن حتى القليل مما يصلح لا ينظر إليه...ولذلك يتحسر الكثيرون على عصر الفيلم الذهبى..عصر أفلام محفوظ وإدريس وعبد القدوس و السباعى وربما لا يخطر على بالهم أن عمل الأديب كان المفتاح لتلك "الذهبية"...
الملاحظ فعلا منذ أكثر من ثلاثة عقود هو ضعف قصة السيناريست مع تغييب أعمال الأدباء..فى الماضى كان جميع المشتغلين بالمسرح و السينما والتلفزيون من منتجين ومخرجين وفنانين ــ كان أغلبهم من قارىء الأدب..يستلهمهم ويأثر فيهم.. فلم يكن من الغريب أن تأتى قصة السيناريست القارىء للأدب على المستوى المطلوب مع أنه ليس أديبا...
السيناريست ليس بالضرورة مطالبا بوضع القصة، فيجب أن تتنوع مصادره بين الاقتباس من الأدب والصحافة وربما من الأفلام الأجنبية لأن الرواية أو القصة فى حد ذاتهما نتاج موهبة قد تكون متوفرة لدى كاتب السيناريو أو لا... ولعل أوضح مثال على الجمع بين موهبة الأدب وفن السيناريو هو الكاتب أسامة أنور عكاشة الذى مزج بين موهبته الأدبية والكتابة للتلفزيون...وربما يحضرنى أهم أفلامه (كتيبة الإعدام) الذى ظللت لفترة طويلة لا أعلم أنه من تأليفه!!
ولم أدهش عند إطلاعى على كتب تعليم السيناريو عندما رأيت فصلا متكاملا فى كل كتاب كان قد كُرس خصيصا للبحث عن مصادر القصة أو خلق توليفة من الأحداث قائمة على خبر صحفى قصير أو حادث عابر تم التقاطه من أحد الشوارع..ثم يبدأ التحدى فى خلق الخيوط حتى العقدة و النهاية..ما يدل على أن القصة هى المشكلة الأساسية لدى السيناريست...
فى اعتقادى أنه إذا قلت موهبة السيناريست فى هذا المجال فعليه بالاقتباس أو المعالجة..لكن هذا لا يمنع أن الاختيار الأسهل ــ إذا أصر السيناريست على خلق قصته ــ أن يلجأ للحبكات ذات الخط الواحد.
منذ حوالى عامين شاهدت على قناة ( النيل دراما) فنانة ومنتجة مشهورة وهى الفنانة إلهام شاهين وهى تسرف فى المديح فى عصر السينما الذهبى وتطنب فى عشقها لأفلام كــ (زقاق المدق) و(خان الخليلى) و(ثرثرة فوق النيل)..فهل فكرت الفنانة فى إحياء هذا العصر بقراءة الأدب الجديد وتحويل بعض رواياته إلى أفلام سينمائية!
أعتقد أن بصيصا من الأمل قد بدأ يلوح أخيرا بإطلاق عدد من الأفلام سواء من أعمال السيناريست أو الأدباء..بعضها رشح للأوسكار والبعض الآخر بيع لشركات توزيع فى أمريكا الشمالية..
لا يوجد أفلام مأخوذة عن أعمال أدبية سوى القليل النادر..ربما أشهرها فى السنوات الأخيرة (عمارة يعقوبيان) لعلاء الأسوانى..وقد أخذته السينما لا لسبب إلا لتلك الجلبة التى أحدثتها الرواية..لكن لم نر بعده إلا رواية أو اثنتين لإبراهيم عيسى لم تلقيا رواجا ملحوظا..ثم روايات أحمد مراد الغرائبية كــ (الفيل الأزرق) و(تراب الماس)..فمع إحترامى لنجاح العملين إلا أنهما لا يمثلان إية تيارات سياسية أو اجتماعية مهمة.
مع دخولنا عصر العولمة تحولت السينما إلى أداة من أدوات التسلية المحضة..وعهدت برسالتها للتلفزيون..ثم حدث أن إنهارا الاثنان معا بالإصرار على أنواع معينة من الموضوعات التى تتسم بالإثارة و العنف ومحاكاة السينما الأمريكية..وكان فى مقابل ذلك تدفق عدد مهول من الأعمال الأدبية جاءت نتيجة لتطور الطباعة والنشر بفعل انتشارالإنترنت و تقنيات الطباعة الديجتال..الكثير من هذه الأعمال يستحق القراءة والفحص من قبل القائمين على صناعة السينما والدراما التلفزيونية على السواء...
نعم نحن فخورون بالعصر الذهبى للسينما ولكننا لسنا قانعين بأن يصبح تاريخا نتحسرعليه..هناك أعمال تخدم أغراض قومية كــ (حرب كرموز) و(الممر) وليس هناك حرج فى ذلك خاصة أن الإنتاج جاء على مستوى أكثر من راق فى هذين العملين..وهناك أفلام فنية بحتة ذات اسقاطات سياسية واجتماعية مثل فيلم ( الكنز) الذى جاء فى جزءين ليثبت كفاءة السيناريست على خلق أفكار جديدة.
فى عصر تغيب فيه القراءة يجب أن تلعب السينما دورا أكثر حيوية بوسائل متعددة..فيلم مدته ساعتين يمكن أن يغير مفاهيم كثيرة ولكننا بحاجة إلى المزيد من الحرية والإبداع...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق