الثلاثاء، 22 أكتوبر 2019

مدينة قتلها الهجر .. قصة قصيرة .. جيهان عجلان




استقلت سيارتها ؛ متجهة لزيارة رفيقتها لتهنئها على مولودها الجديد ، هطلت الأمطار وهى بالطريق ،كم تحب هي المطر كثيرا ! نزلت الأمطار كحبات اللؤلؤ على لوح سيارتها الزجاجي ،
فقامت بتشغيل محرك المساحات ؛لتمحو قطرات المطر حتى تستطيع السير بوضوح ،كانت في غاية السعادة بهذا الجو الرائع ، ففي الطريق الذي تذهب منه لرفيقتها كان بيتها العتيق في تلك المدينة المغدورة من زمن بعيد ،اوقفت محرك السيارة  ؛فقد أخذها الحنين ظلت بعضا من الوقت تنظر من بعيد عبر نافذة سيارتها ،ملء نسيم المطر الجو وكأنها تستنشق عطر الأمس لم تتمالك نفسها فتحت باب سيارتها ،ولم تعبء بزخات الأمطار المنهطلة بغزارة ، سارت حيث بوابة كبيرة وأسوار عالية لتلك المدينة  ،وقفت تتلفت على أحد ؛ ليفتح لها بوابة المدينة
،فوجدت الحارس يطل من نافذة ؛ ليقول لها ماذا تريدي سيدتي ؟ قالت أنا طفلة هذه المدينة ضحك الرجل ؛ ليقول لا أفهم كيف أنتي طفلة هذه المدينة ؟ أخبرته أنها ولدت هنا ،وترعرعت كتلك الأشجار العتيقة هنا ، أنا كنت هنا من عشرين  عاما، فمنزلنا هو الذى هناك بالقرب من شاطئ تلك المدينة فأبي كان فلان قال لها :من عشرين عاما أنا أعمل هنا من خمس سنوات يا سيدتي حارسا لهذه المدينة ، ولا أعرف أي شئ عن سكان تلك المدينة ، ولكن  ماذا تريدي من المنزل  ؟فالمدينة مهجورة منذ زمن وليس فيها أحد فالجميع هجرها  فكما تقولين  تقريبا من عشرين عاما ،قالت : فقط أريد  أن أرى بعض من طفولتي ،فتح لها الباب ودخلت المدينة ذاهبة تبحث عن منزلها بين تلك الأشجار العالية كم غير الزمن ملامح كل شيء! البيوت حجمها بات صغيرا وكأن الأرض غارت فغار بداخلها كل شيء ، توجهت لحيث منزلها العتيق نعم وكأنه هو نعم هذه حديقتنا ،هنا كنت أزرع الأزهار بيدي ، وهنا كنت ألعب والأمطار تزخ زخا نفس الرائحة الذى كان يخلفها حنين المطر تقدمت بقدميها ؛لتدفع باب المنزل الذى أهلكه الزمن أهلكه الهجر كسره الجحود ، فالباب لم يعد موصد ، حتى النوافذ لا وجود لها وكأنها أطلال من الأمس كل شيء باهت ، كادت قدمها تزل وكأن البيت بطابق سفلي وكأن الأرض غضبت ؛ لرحيل سكان المدينة فضمت البيوت واحتضنتها لحد الموت، وضعت يدها على زر الكهرباء في نفس المكان الذى كانت تضيئ منه المصباح لعلها ترى ملامح البيت ،وتقهر بنور المصباح هذا الظلام الحالك   ،وكأنه هو المصباح الذى كان بالأمس ،رأت كل شيء وكأنها تنظر من بلورة أعادت الزمن عشرين عاما تجولت في كل أرجاء المنزل الذي يبدو كمقبرة كبيرة  بلا أموات ،وجدت نفسها  في الغرفة المطلة على حديقة المنزل الكبيرة ،دفعت الباب ووقفت في صمت باكي تنظر من خلف زخات الأمطار ،فتصرخ بلا صوت هنا كل طفولتي ونصف شبابي ،هنا كانت الأشجار التي تتدلى منها حبات الجوافة والمانجو
،وكانت هنا تكعيبة للعنب الجميل ،وفى تلك الجانب كانت أشجار الفل والورد والريحان والنعناع
 ،هنا كانت غية الحمام ،وهناك كانت حظيرة للطيور هذه الأشجار كانت مكتظة بالعصافير التي تختبئ تحت أوراقها فرارا من الأمطار ،وهناك كانت أرجوحتي وما هذا ؟  دراجتي المكسورة  مازالت هنا  فهي   بعض من أمسي ،تذكرت أن الزمن كسرها ،ولم تعد صالحة لأن تلعب بها تحت الأمطار ،تنفست من قهر الحزن الذي يملاء صدرها وجعا على تلك الأيام التي هي أجمل أيام العمر
التي كانت تضج بصخب الفرح ،وضعت يدها على رهبة أوقفت بالشريان ضخ الدم تصدعت  الروح في جسدها ؛ ذهبت لتلملم أيام العمر وتذهب عائدة وتخبر الحارس ، وتقول ماتت مدينتي الفاضلة هنا كان كل عمري
،ماتت طفولتي وقالت : بالله عليك لتسمح لي أن آتي كل عام ؛ لأضع على قبر مدينتي أكليل الورد، وودعته شاكرة ،تنهمر من عينيها الدموع ،واستقلت سيارتها ؛ لتذهب وما زال المطر يهطل
،تمسح زخات الأمطار عن زجاج سيارتها ؛ لتسير ولكن هيهات فزخات الدمع غيبت منها ألوان كل شيء أخذت منديل تمسح الدموع عن مقلتيها  ،ولكن الدموع أبت أن تنقطع ، وكأنها تنعي كل أيام العمر ،وتتسأل لماذا ماتت مدينتي ؟ ،ترد الروح قتلها الهجر ،سارت بسيارتها  ؛لتذهب حيث كانت تريد الذهاب  لرفيقتها
،وكل شيء أمام عينيها يرسم لوحة من حكايات الأمس .


رفيف العمر
Ĝèĥan Ąĝĺan#

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق