الخميس، 28 أغسطس 2014

خيانة مبررة ~~ سحر محمد نجيب

ارتدت ثوبها الأسود القصير و انتعلت حذائها الأحمر بكعبه المرتفع يُحدث صوتًا كلما تهادت بروية .. و انطلقت إلى مكانها المعتاد عند نفس الطاولة بالقرب من النافذة صاحبة الإطلالة المتميزة على شاطىء البحر حين الغروب جلست فى مواجهة النافذة و عيناها حائرةٌ تُرقب فى صمتٍ .. تُداعب خُصلات شعرها فى دلال و دخول هادىْ الألحان و وقع خطوات ثابتة تعرف طريقها التفتت برقةٍ مبالغة فانسابت غُرتها على جبينها و تكشف على وجنتيها ابتسامة عابثة فإذا برجلٍ وسيم الطلة طويل القامة يدنو منها هامسًا مقبلًا وجنتيها .. تتخايل يديه على ظهرها الممشوق ..فتقفز فرحة بمجيئه .. و تنتفض من جلستها لترتمى بأحضانه غير عابئة بمن حولها اشتقتُ اليك .. تبسمت بدهاء يُقبل يدها مُعتذرًا أنه لم يتعمد التأخير .. حبيبى لا عليك فالعمرُ كله لحظة تاقت إلى إنقضاء بين عينيك و حين حضورك تهيمُ بين عينيه .. تتدلل .. تتمايل ..تضحك و تقهقه كطفلةٍ عادت إلى أحضان أمها بعد غياب تنتهى أمسيتها بقبلةٍ من شفتيها المكتنزتين على شفتى هذا الوسيم مُعلنةً إنتهاء السعادة حتى إشعارٍ جديد و تصعد الدرج فى خطواتٍ مُترنحة لتصل إلى باب منزلها فتدلف حيث فراشها و تستلقى " صباح الخير حبيبتى ..‼ اعتذر عن مجيئى متأخرًا البارحة .. سأعوضه لكِ .. " قبلها على جبينها و همس لها وهى مابين يقظة و سُبات ثم استطرد قائلًا : " ما رأيكِ باليوم ..‼ هل نتناول العشاء بالخارج فى المكان الذى تُشيرين عليه ؟ " أجابتهُ مُتثائبة ناعسة : " حبيبى لا عليك .. أسامحك على أمس .. و أتمنى ألا تتذرع بالمزيد من التبريرات .." ابتسم و حرك رأسه بالنفى يُمنة و يُسرة و ودعها حتى لقاء حل المساء باكرًا .. كانت متأنقة ترتدى رداءًا أزرقًا كحورية البحر يضيق على جسدها حتى ينتهى بإنفراجة ما بعد ركبتيها .. أخذها إلى مكانها المفضل حيث الهدوء و الرقى و الذكريات الحانية تحادثا كثيرًا فقد مضت فترة زمنية طويلة على إجراء مثل هذا الحوار .. ضحكت من قلبها .. دعت ربها أن تبقى أيامها معه فى هناءة و راحة بال كان هُناك شاب ببشرة مائلةٍ للسُّمرة و على وجنتيه نقطتين غائرتين كلما تبسم .. كان يُراقبها فى هدوء .. لم ينقل بصره عنها طوال الأمسية تبطأت ذراعيه ثملةً مُترنحةً من فرطِ سعادتها .. فليلتها كانت الأولى منذ سنوات التى تحسست فيها بصيصًا من الدفء الذى تسلل إلى دمائها من أخمص قدميها حتى أطراف شعرها أغمضت عينيها بإستسلامٍ و خضوع و بين جفنيها ابتسامات فى مهدها تحبو بهدوء استيقظت على قبلةٍ ناعمة و مداعبةٍ رقيقة لخصلاتِ شعرها نُزولًا إلى وجنتيها .. تبسمت فى دلال : " صباح الخير حبيبى .. كُن معى اليوم و لا ترحل عنى .. كم أفتقدُ وجودك كثيرًا " تهللت أساريره و تكشف عن ثغره ابتسامة عابثة .. ضحك على إلحاحها الطفولى و براءة عينيها الحالمتين .. انصرف الى عمله بعد وعدها بيومٍ آخرٍ لتجديد ما انقضى من عهد الهوى هاتفته عند الظهيرة لتستأذنه فى الخروج إلى شراءِ ما يلزمُها .. استعدت للخروج لكنها لم تكن تعلم إلى أين وجهتها تحديدًا .. لكنها قررت المُضى فى قرارها .. ارتدت ثوبًا أبيض اللون مُريحًا ينقسم قسمين .. فالقسم العلوى منه كنزة سوداء اللون .. و عقدت شعرها على جانبٍ واحد .. و انتعلت حذاءًا مُسطحًا يتناسبُ مع ظهيرةٍ صيفية وضعت نظارتها الشمسية كأنها تتوارى عن الأنظار .. أخفت بريق عينيها و إكتحالهما الآسر تجولت كثيرًا و تبضعت أكثر .. و لكنها كانت تحسُّ أن هُناك من يتبعُها .. كانت تستشعر نظراته المُتلصصة ..لكنها لم تكن تعلم يقينًا من يسعى خلفها ..‼ توجهت لتناول مشروبًا باردًا كى تنعم بلحظاتٍ من الراحة بعد أن أُنهكت قدماها.. و أتى النادل بالمشروب على طاولتها .. و اقترب منها ليهمس لها بشىء جعلها تنظر إلى الطاولةِ المجاورة للنافذة .. هذا كان كفيلًا لها أن تنهض دون أن تتناول مشروبها و مضت و هى مضطربة القسمات دون أن تلتفت إلى نداءٍ مُلح . ركضت بعيدًا عن ذاك المقهى و خلفها تركضُ خطواتٍ حذرة .. خطوة مُقابل خطوتين و هى لا تلتفت و لا الخطوات تمل إقتربت من مدخلِ شارع ضيق مُظلم الأركان و دون أن تُفكر دلفت إليه و تحسست موضع خُطاها .. تعثرت و كادت أن تسقط لولا أن ظهر شخص مجهول كانه إنبثق من عدمٍ و شقَّ طريقه عبر الظلمات فأخذ بيدها ليحول بينها و بين التعثر فالسقوط .. و قبل أن تفتح فاها لتشكره قبلها بشره ..لكنها لم تُبد إمتناعًا و رضخت بكل حواسها لتلك القبلة ..و عندما إنتهى من تقبيلها تكشَّف على ثغرها إبتسامة ناعمة تبيَّنت من بياض أسنانها و همست له : " أراكَ قد إشتقت إلىِّ كثيرًا .." أمسك بخصرها و جذبها إليه و بعينيه هذا الشره النارىُّ تأكيدًا لها على شوقهِ الذى أضناه إنتظاره لها إنطلقا سويًّا عبر طرقات ذلك الشارع المظلم و أيديهما مُتشابكتان بمزيجٍ من حرارة اللقاءِ و بشهوة مُستعرة تحت براثن الرغبة " كدتُ أن أُجن حينما رأيتُكِ تضحكين و تتهامسين و تُراقصين زوجكِ فى تلك الليلة الماضية ..! " كان يصف حاله بأسىٍّ خفىٍّ و هو يضغطُ على يدها بقوةٍ آلمتها ..لكنها تبسمت فى خفاء ..‼ و أمام بناية قديمة الطراز وقفا ينظرُ أحدهما إلى الآخر .. أعينهما فى حوارٍ خاصٍ مُفعمٍ بنيران الإحتياج يصعدان درج البناية حتى وصلا حيثما أرادا مُنذُ اللقاء .. دلف بها إلى داخل منزله و إحتضنها بين ذراعيهِ بإحكامٍ كأنها منه ستهرب و أخذ يتلمس خصلات شعرها المتناثرة على وجهها نزولًا إلى وجنتيها مُلامسًا شفتيها المكتنزتين المُثيرتين فى نعومةٍ و هدوء و قبلها للمرة الثالثة بشغفٍ لا يُضاهى المرتين السابقتين حتى إستوقفتهُ بإبعاده عنها و أخذت حقيبتها و شرعت فى الخروج سريعًا من بئر الإحتياج تاركةً هذا الشاب المائل للسمرة فى ذهولٍ مما حدث و بضيقٍ و إحباطٍ لا يليق برجلٍ مُثار مُتقد ..‼ إتخذت طريقها عبر السلم تتقافز درجاته .. و دمعها يفيض من عينيها كنهرٍ لا ينضب و حينما تراءى لها بصيص من ضوء الشارع مع إرتفاع صخب المارة .. تجمدت مكانها كانها لا تعلم كيف أتت هُنا ؟ و لا كيف السبيل للوصول من حيثُ أتت ؟ لفت إنتباهها واجهة إحدى المحال التجارية و هى تعرض ثوبًا قُرمزيًا فائق الروعة مصنوعًا من الحرير الخالص و يتخلله نقوشًا زهرية ناعمة .. تهللت أساريرها و دون أن تدرى قد إرتدته و خرجت قاصدة مقر عمل زوجها طرقت بابه برقة بالغة و عندما رأته هرعت إلى أحضانه بلا تردد و شرعت فى البكاء .. لم يسألها عن سر بكائها و ربت على ظهرها فى محاولةٍ لتهدئتها قررا أن يذهبا للغداء معًا .. وفى أثناء طريقها آثرت الصمت و هو لم يُعقب و تركها فى شردوها دون إتهام تناولا طعامهما دون كلماتٍ تُقال .. و توجها بعدها إلى المنزل و هى تخشى البوح و هو يخشى السؤال ..! بعد أن بدلت ثيابها جلست على جانب فراشها و إستعادت ما مضى فى الأيام الماضية و تقاذقت دموعها رُغمًا عنها .. و عندما دخل عليها زوجها و وجدها هكذا أسرع إليها فإحتضنها و ربت على كتفها و طمأنها بأنه هُنا و إلى جوارها إن أرادت الفضفضة تنهدت بحرقةٍ بالغةٍ و حاولت أن تُجبر الكلمات على الخروج من بين شفتيها المطبقتين : " أكرهُ نفسى على ما إرتكبته .. و لا أدرى كيف ستنظرُ إلىَّ بعدها .. فأنا قد كُنتُ طفلة لوالدٍ حاد الطباع تركنى أنا و أمى دون أن يُبالى بما سيحدث لنا و كُنتُ كل ليلة أسمع بكاء والدتى و نحيبها .. حتى أعياها الحزن و أمرضها الألم .. و توفت و أنا أكرهُ والدى و ما سببهُ لوالدتى و كَبرتُ و أنا أحاول أن أتجنبُ الألم و أن أتعلق إلى أى شخص كان .. فكانت فكرة الرحيل و الفقد هى الكابوس المسيطر على حياتى منذ رحيل والدتى .. حتى أتيت أنتَ و أحببتُكَ ... نعم أحببتُكَ لدرجة الجنون .. صرتَ مُتنفسى و عشقى و نبض روحى الكامن بقلبى .. و لكنى تذكرت ألم الماضى و جزعت .. و توجهت إلى غيركَ كى يمنحنى لحظات تُبقيكَ بعيدًا عن قلبى .. حاولتُ أن أجد سلواى بين أحضان حبٍ عابث و نزواتٍ عابرة حاولتُ كثيرًا أن أقهر خوفى من فقدانكَ .. أن أحطم أوجاعى .. أن أتحرر من الماضى بحبكَ .. لكنى فشلت .. فشلت أن أقطنُ وطنًا غيركَ .. أن أرتحل عنكَ .. بل و ضللتُ كل السبل إلا طريقى إليك أعلمُ أنى مُذنبة خاطئة .. لا تجوز بى رحمة و لا رأفة لحالى .. و لكننى أعانى و سأعانى و لا أدرى كيف الخلاص من الماضى ؟ سقطت على ركبتيها و هى تجهش بالبكاء و هذا مما منعها من الإكمال .. و جلس على مقعدٍ يُجوار الفراش و وضع رأسه بين يديه و أنين يصدرُ من بين شفتيه يعتصرُ القلب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق