الخميس، 19 يونيو 2014

البساط الأحمر , بقلم شيرين سامي


تمشي بخطوات ثابتة بطيئة لأول مرة على البساط الأحمر، الأضواء تكاد تعميها والكاميرات تحجب تماما رؤية البشر المتكدسين بالخلف، تختال بنفسها في هذه اللحظة التاريخية.. إلى جانبها يسير بطل الفيلم مزهوا بنفسه وقد ارتدى البدلة «الاسموكن» وصفف شعره الفاحم للوراء بالزيوت وأعطاه اللمعان بالشمع، جواره تسير البطلة الشقراء طويلة القامة وقد صبغت وجهها بكل الألوان وتفننت في إبراز مفاتنها، تمشي بخطوات راقصة يشعلها الفستان الذهبي المطرز، يتقدمهم جميعا المخرج ببدلته البيضاء وشعره الرمادي الطويل ونظراته النرجسية، وهيئته الرصينة لاعتياده على مثل هذه المهرجانات. أما هي فكانت تلتزم بقواعد الـ«ريد كاربت»، ترتدي فستانا أسود أنيقا بذيل طويل وتفاصيل ناعمة وتعقص شعرها بمشبك ماسي بسيط.. إنه ظهورها الأول في عالم الشهرة، فهي مجرد مؤلفة مغمورة، ولم يكن خيالها ليذهب بها لهذه اللحظة أبدا، لكنها تعودت أن تحافظ على طلّتها البسيطة بصرف النظر عن ضخامة الحدث، لم تنتظر هذا اليوم، قبل ستة أشهر فوجئت بمكالمة هاتفية من مساعد المخرج يخبرها بأن روايتها حازت الإعجاب ويطلب منها ميعادا لتوقيع عقد لفيلم جديد، ثم بدأت تسمع عن الأخبار من الصحف والمجلات، لم تكن جزءا من التصوير على أي حال، ولم تُتَح لها فرصة التدخل أو إبداء الرأي، حتى فريق العمل لم يُتَح لها أن تقابلهم سوى عدة مرات آخرها هنا في هذا المهرجان العالمي. أتت ليراها.. ليعرف أنها ها هنا أصبحت نجمة بحق.. ليرى نجاحها المبهر، جمالها الأخاذ وخطواتها الواثقة، كانت تحاول جاهدة ألا تتذكره في هذا اللحظة بالذات، فقد شغلها أعواما كثيرة حتى استطاعت أن تغلب روحها وتنساه، فماذا أتى به الآن لخيالها وليست هذه اللحظة المناسبة لحضوره، كان يظنها كاتبة جيدة في المتوسط، قد تنجح في نشر رواية، على أحسن تقدير، كانت تطلب منه في كل مرة تلقاه أن يقرأها.. يقرأ كتاباتها ويقرأ عينيها.. كان يقرأ كتاباتها بتململ ويقف كالأمِّي أمام عينيها، لم يدرك يوما.. شاعر عظيم.. ليس بمشاعرها! لكنه شاعر يُتقن الشعر ولغة الجذب والإغواء، إغواء العقل والقلب، عندما يُلقي أبياته تتوقف دنياها عن الدوران، وتتعلق عيناها به، لا تريد شيئا سواه، وعندما يعود أدراجه كصديق تعشق تفاصيله المجنونة أكثر، أشعاره كلها لها.. لحبيبة تركته، هي تعلم، لكن شعرة الحب الكاذبة التي تعلقت بها كانت توهمها بأن بعض الكلمات قد تنطبق عليها.. فظلت تكتبه ويكتبها هي، تبكيه ويبكيها هي، تشتاقه ويشتاقها هي، تنزفه وينزفها هي، وكأنهما نهران من نفس النبع ينقسمان، يجريان بطول الحزن ثم يتصلان في حوض واحد من الألم، حتى صارت ترثيه وتعرف أنه يرثيها هي، حبيبة هجرته وحبيب لم تشغل فيه أكثر من بعض الوقت. تبتسم للكاميرات بخجل متردد.. تسألها مذيعة أجنبية ترد بكلمات قليلة واثقة منطلقة وكأنها صاحبة النجاح الوحيدة، تطلب الأمر الكثير حتى تنساه، رياضة عنيفة حافظت على رشاقة جسدها ودورات متنوعة في الكتابة والسيناريو جعلت عفوية كتاباتها تتطور لنضج ملموس، لم تكتبه في الرواية ولكن كتبت نفسها، وزعت روحها بين الشخصيات المختلفة؛ فالبطل يحمل طموحها وأحلامها وجرأتها، والبطلة تحمل ضعفها وطيبتها، الصديق يحمل شرّها ورغبتها الدفينة في الانتقام من قدرٍ ظالم، والصديقة تحمل روحها المرحة وإشراقتها، لكن كيف لم تكتبه وهو جزء من روحها؟ هو هذا الجزء المجنون الذي زجّ بالأحداث بكل تأكيد.. فقد قررت، قبل زمن، أن تحوِّل حبها له لأدب.. ليعيش.. كم تمنت لو كان كتب فيها ولو بضع كلمات تعيش بها.. رأت نظرته الحادة في عيني أحد المصورين، وهذا الصحفي له نفس حاجبيه المثيرين باتصالهما وحركاتهما مع الحديث، وهذا الفنان له نفس مشيته غير المكترثة، بدأت تضطرب.. لماذا يحاصرها بوجوده؟ وفي لحظة لم تتوقعها غابت عن الواقع وتعثرت بالسجادة الحمراء الطويلة.. سقطت كانهيار زينة فرح تتلوه العتمة، قدمها ملتوية تؤلمها، الكعب العالي للحذاء كُسر، حتى شعرها البُني سقطت خصلاته على وجهها، تجمَّع حولها بعض البشر في عيونهم نظرات بين الشفقة والهلع والشماتة، قاومت البكاء بشدة وهي قابعة على الأرض الحمراء.. يالقسوة السقوط. لا ليست هذه النهاية.. نهضت برشاقة.. أمسكت الحذاء بأطراف أصابع يدها اليسرى، اليد اليمنى كانت تغوص في شعرها لتنثر خصلاته على ظهرها وكتفيها، سارت بمرح.. استطاعت أن تغتصب ابتسامة الجميع واستعادت روحها بسرعة.. ثم انهالت عليها الكاميرات والميكروفونات بشكل غير مسبوق. في اليوم التالي كانت تتصفح المجلات التي اتخذت من صورتها حافية على البساط الأحمر غلافا، ابتسمت طويلا بإيمان.. فليس كل سقوط يعني النهاية، هناك نهوض له روعة الأحلام.. وجمال البدايات.
شيرين سامي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق