الصفحات

الاثنين، 17 فبراير 2020

الزَّهْرَةُ الْقُرْمُزِيَّةُ ( من يوميات معلِّمَة ) بقلم / أيمن دراوشة



قصة قصيرة للناشئة

الزَّهْرَةُ الْقُرْمُزِيَّةُ ( من يوميات معلِّمَة )

بقلم / أيمن دراوشة

       سِرْتُ بِجَوَارِ السُّورِ حَيْثُ تَنْتَظُرِنِي السَّيَّارَةُ الَّتي سَتَقِلَنِي إلى مَكَانِ الْعَمَلِ في مَدْرَسَةٍ ابْتِدَائِيَّةٍ , تَوَقَّفْتُ بِجَوَارِ زَهْرَةٍ صَغيرَةٍ ذَاتِ ألْوَانٍ بَرّاقَةٍ تَنْدُرُ أَنْ تَرَاهَا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الأَزْهار، هَذِهِ الزَّهْرَةِ تُسَمَّــــى الزهرة القرمزية , وَبالقُرْبِ مِنْ هَذِهِ الزَّهْرَةِ كُتِبَتْ لافِتَةٌ تقول :
" غُرِسَتْ هَذِهِ الزَّهْرَةُ تَخْليداً لِذِكْرَى الْمَكَانِ الذي نَشَأْتُ فِيه "
     كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ  نُورَةَ وَهِيَ طَاِلبَةٌ مِنْ طَالبَاتي المُجْتَهِدَاتِ كَانَتْ تَعْشَقُ هذه الزَهْرَةَ ، وفي احْتفَالاتِنَا بالبيئة كَانَتْ تُشَارِكُ بِرُسُومَاتِهَا الجَّميلَةِ لِتُحِيلَ الزَهْرَةَ إلى تُحْفَةٍ فَنِيَّةٍ قَلَّ أَنْ تَجِدَ مَثيلاً لَهَا ، كَمَا كَانَتْ تَغْرِسُ هَذِهِ الزَّهْرَةَ في أَمَاكِنَ عَدِيدَةٍ عَلَى أَطْرَافِ بَلَدِنَا الجَّميلِ ، وَالآنَ فَقَدْ رَحَلَتْ نُورَةُ مِنْ بَيْتِهَا الصَّغيرِ ، وَأَصْبَحَ أَطْلالاً لأَسْبَابٍ مَجْهُولَةٍ لا أَعْلَمُهَا. لَقَدْ عَشِقتَ نُورَةُ اثْنَيْنِ هُمَا : بَيْتَهَا الَّذي تَرَعْرَعَتْ فيه ، الزهرة ، تِلْكَ الزَّهْرَةُ الحَمْرَاءُ ذَاتَ الجُّذُورِ الْمُتَشَعِّبَةِ وَالتي تَنْتَشِرُ جُذُورُهَا في بَاطِنِ الأَرْضِ لمَسَافَاتٍ بَعِيدَةٍ. 
     شَعَرْتُ بِالأَسَى وَبِرَغْبَةٍ في البُكَاءِ , فَنُورَةُ الجَّريحَةُ بِبُعْدِهَا عَنِ الْمَكَانِ  لَمْ تَجِدْ سِوَى زهرتها البرية الَّتي تَعْشْقُها بِمِقْدَارِ عِشْقِها لِبَيْتِهَا الْمَنْكُوبِ لِتُعَبِّرَ عَنْ حُزْنِهَا ؛ وَلْتَكُنْ ذِكْرَى خَالِدَةً عَلَى مَــرِّ السِّنِينِ. هَلْ
 هَدَأتْ نُورَةُ وَارْتَاحَتْ بَعْدَ غَرْسِ هَذِهِ الزَّهْرَةِ الجَّميلَةِ ؟ كُنْتُ أمُرُّ في طَريقِي إلى مَدْرَسَتي كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ , وَأُتَابِعُ الزَّهْرَةَ الْوَرْدِيَّةَ الْمُتَحَمِّلَةَ لِقَسْوَةِ الطَّبيعَةِ بِمِقْدَارِ تَحَمِّلِ نُورَةِ لِقَسْوَةِ البُعْدِ عَنِ الْمَكَانِ كُنْتُ أَقْرَأ الَّلافِتَةَ مَرَّةً أخْرَى , وَقَدْ أخْبَرَنِي صَاحِبُ دُكَّانٍ قَريبٍ مِنَ الْمَكَانِ عِنْدَمَا وَجَدَني مُهْتَمَّةً بِالزَّهْرةِ :
إِنَّ نُورَةَ وَوَالِدَيْهَا, يَأْتُونَ كُلَّ صَبَاح ٍ لِرَيِّ الزَّهْرَةِ وَالْعِنَاَيةِ بِهَا.
لِلأَسَفِ لَمْ أُشَاهِدْهُمَا , رُبَّمَا يَأْتِيَانِ في وَقْتٍ أَكُونُ فيه مُنْهَمِكَةً بِعَمَلِــــي ، لَكِنْ بَعْدَ أَكْثَرِ مِنْ عَامٍ لاحَظْتُ أَنَّ الزهرة لَمْ تَعُدْ كَمَا كَانَتْ فَهُنَاكَ مَنْ يَعْبَثُ بِهَا وَيُشَوِّهُ جَمَالَهَا  فَيُصيبُنِي الانْدِهَاشُ , سَأَلْتُ صَاحِبَ الدُّكَانِ الْقَريبِ مِنْ الزهرة:
- لِمَاذَا تَشَوَّهَتْ هَذِه الزَّهْرَةُ الجَّميلَةُ ؟
خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ دُكَّانِهِ , وَنَظَرَ إِلى الزَّهْرَةِ قائِلاً:
  نُورَةُ وَوَالِدَاها لَمْ يأْتوا مُنْذُ أَكْثَرِ مِنْ أُسْبُوعَيْنِ ، فَأَصْبَحَتْ عُرْضَةً لِلْمُسْتَهْتِرينَ بِجَمَالِ البيئةِ!
     قُلْتُ :هَلْ تَعْرِفُ مَكَانَ بَيْتِهَا ؟ فَأَخبَرَني الرَّجُلُ عَــــنْ مَكَانٍ بَعيدٍ ، وَكَتَبَ لي العِنْوَانَ عَلَى وَرَقَةٍ بَيْضَاءَ وَسَلَّمَني إِيَّاهَا  , وَبسُرْعَةِ الْبَرْقِِ اسْتَأْجَرْتُ سَيَارَةً مُتَوَجِّهَةً إليها ، وَقَفْتُ أَمَامَ الْبَيْتِ الَّذي وَصَفَهُ لي صَاحِبُ الدُّكَّانِ , ظَلَلْتُ أَدُقُّ جَرَسَ الَبَابِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ الشَّقَةَ خَاليَـــةً , وَقَفَلْتُ رَاجِعَـةً  إِلى طَرِيقي , ثُــمَّ سَمِعْتُ صَوْتَ الْبَابِ
يَفْتَحُ ؛ فَإِذَا بِوالِدَةِ نُورَةَ  تَقِفُ أَمَامَ الْبَابِ. عُدْتُ مُسْرِعَةً , وَقُلْـــتُ: أَنَا
مُعَلِّمَةُ نُورَةَ أَيَّتُهَا السَّيِّدةُ الطَّيِّبَةُ ، وَقَدْ جِئْتُ مِنْ أجْلِ الزَّهْرَةِ الصَّغيرَةِ الزَّهْرَةِ القُرْمُزِيَّةِ.
صَاحَتْ وَالدَةُ نُورَةَ في لَهْفَةٍ وَخَوْفٍ :
-  هَلْ حَدَثَ لَهَا مَكْرُوهٌ ؟
-  أخَافُ أَنْ تَمُوتَ مِنْ عَدَم ِ الاهْتِمَام ِ بِهَا.
      دَخَلتُ الشَّقَةَ وَوَالدَةُ نُورَةَ تُحَدَّثُني عَمَّا حَدَثَ لَهَا:
     - نُورَةُ مَرِضَتْ مَرَضاً شَديداً , فاضْطَرَرْتُ أَنْ أمْكُثَ بِجِوَارِهَا من أَجل رعايتها.
     كَانَ وَالِدُ نُورَةَ نَائِماً فَوْقَ سَريرِهِ يُتَابِعُنَا في صَمْتٍ وَضَعْفٍ حُزْناً عَلَى ابْنَتِهِ نُورَةَ الْمَريضَةِ وَالَّتِي تَتَسَاءَلُ دَوْماً عَنْ زهْرَتِها الْمَحَبُوبَــــةِ ، وَشِدَّة اشْتِيَاقِهَا لَهَا.
صافحتُ الأبَ الحزينَ ، وَاحْتَضَنْتُ نُورَةَ ، وَوَعَدَتُهَا بأَنْ أقُومَ بِرعَايَةِ زَهْرَةِِ حَتَّى يَتِمَّ لَهَا الشِّفَاءُ الْعَاجِلُ بِمَشيئَةِ الله سُبْحَانَـــهُ وَتَعَالَى ، وَطَمْأََنْتُ نُورَةَ بِأََنَّ الزَّهْرَةَ عَلَى قُدْرَةٍ كَبيرَةٍ لِتَحَمِّلِ كُلِّ الظُّرُوفِ الصَّعْبَةِ الْمُحيطَةِ بِهَا  بدليلِ حِفَاظِهَا عَلَى خُضْرَتِهَا.
كُنْتُ أَذْهَبُ كُلَّ يَوْمٍ لِتَفَقُّدِ الزَّهْرَةِ الصَّغيرَةِ , وَتَنْظيفِ الْمَنطِقَةِ حَوْلَهَا. وَأَرْفَعُ الْعَمُودَ الذي يَحْمِلُ اللافِتَةَ , وَالَّذي كَادَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الأَرْضِ.
بَعْدَ أَيَّامٍ قَليلَةٍ  قَضَيْتُهَا بالعِنَايَةِ بالزَّهْرَة ، ذَهَبْتُ لِزيَارَةِ نُورَةَ ، فَوَجَدْتُهَا قَدْ تَعَافَتْ ، وَخَرَجْنَا جَميعاً أَنَا وَنُورَةُ وَوَالِدَاهَا مُتَّجِهينَ صَوْبَ الزَّهْرَةِ الْوَرْدِيَّةِ....

 كَانَ وَالِدُ نُورَةَ يَسيرُ بِمُسَاعَدَةِ عَصَاهُ وَيده الأُخْرَى فَوْقَ كَتِفِي امْتِنَاناً مِنْهُ لعِنَايَتِي بزَهْرَةِ الْعَاقُولِ , بَيْنَمَا زَوْجَتُهُ تَسيرُ بِجِوَارِنَا مُبْتَسِمَةً وَنُورَةُ تَتَمَنَّى الوُصُولَ بِسُرْعَةٍ اشْتِيَاقاً لِزَهْرَتِهَا ، عِنْدَمَا وَصَلْنا وَجَدْنَاهَا قَدْ أَيْنَعَتْ وَكَبُرَتْ ، فَفَرِحَتْ نُورَةُ فَرَحاًً كَبيراً فِيمَا بَدَتْ عَلامَاتُ السَّعَادَةِ وَالسُّرُورِ عَلَى الوَالِدَيْنِ  ،  وَأَخَذَا يَدْعِيَانِ لِي...
----------------------------------------------
معاني المفردات:
الزهرة القرمزية : الزهرة ذات اللون الوردي.     
 تقلني : تحملني.
 براقة : مبهرة للنظر .           
لافتة : لوحة من الكرتون أو الخشب.       
  تخليداً : تمجيداً.
أطلالاً : آثار المكان.   
 ترعرعت فيه : نشأت فيه.
  المتشعبة : المتفرقة.       
الأسى : الحزن الشديد.   
  المنكوب : المصاب بالضرر.
ري الزهرة : سقايتها.
منهمكة : منشغلة.
يُشوِّه : يُخرِّب.
الاندهاش : الاستغراب.
عرضة : أي مكشوفة للمارين.
مستهترين : مهملين.
أمكث : أبقى.
تعافت : شُفِيَت.
صوب : اتجاه.
أينعت : نَمَتْ وَكَبُرَتْ.


أسئلة حول القصة:
1. ما اسم الزهرة في هذه القصة ؟
2. ماذا كُتب عل اللافتة بجانب الزهرة ؟
3. عدد صفات الزهرة كما استنتجتها من النص ؟
4. هل ذبلت الزهرة وماتت عندما قلَّ الاهتمام بها ؟ ولماذا ؟
5. ضع عنواناً آخر للقصة.

أسئلة حول بناء القصة:
1. ما نوع النص ؟       
 أدبي       -        معلوماتي
2. ما أسلوب الكاتب في كتابة القصة ؟
سرد             -     حوار             -   سرد وحوار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق