الصفحات

الجمعة، 7 فبراير 2020

جلباب أبي .. محمد مكي

" جلباب أبي"
قصة قصيرة ..
-------‐-------‐-------------------------

منذ أن أدركت الفروق بين أيام الأسبوع , وأنا أعشق يوم الجمعة ... تسعدني كل تفاصيله التي أعتدت عليها منذ الصغر ... الإجازة ، إجتماع الأسرة على الإفطار ، فتة اللبن التي تتفنن أمي في إعدادها ، صوت القارئ في المذياع يشدو بآيات القرآن قبل الأذان ، رائحة أعواد البخور التي كانت تشعلها أختي في أرجاء المنزل احتفاءً باليوم المبارك ، مصاحبة أبي وأخي إلى المسجد مسرعين كي ندرك الخطيب قبل أن يصعد المنبر ...
تغمرني الذكرى والأشواق لتلك التفاصيل التي تلاشت بعد أن دارت رحى السنين فسحقتها.. ثم حلت محلها تفاصيل العالم الافتراضي الجافة .
  أتذكر أيضاً .. جلباب أبي ذا اللون الرمادي حين كانت تكويه أمي بعناية ثم تعطره كي يليق بأبي وهو حاضر بين الجمع في المسجد ... يرتدي أبي الجلباب فتبدو عليه المهابة والوقار بصورة لم يستطع القميص و البنطال أن يصنعاها يوما ..
تعلقت بذلك الجلباب منذ طفولتي ، وتكررت محاولاتي -البائسة- لارتدائه لأبدو في كل مرة مصدر ضحك لأسرتي حين تتدلى أكمام الجلباب شبرين من يدي ، ويزداد الضحك حين تتكرر معاناتي في جر طرفه الزائد عن طولي بمثله تقريباً ، أتعثر في الخطى فأسقط يمد أبي كفه ليحملني ويقول وبسمته الحانية تكسو وجهه الهادئ :
" لا تعجل يا محمد.. غداً ستكبر ويصير الجلباب مناسباً لك "
*******
حين كبرت عرفت أن الجلباب كان يخص جدي ، وورثه أبي عنه مع قطعة أرض صغيرة كانت في قريتنا التي تركناها وأتينا إلى القاهرة حيث المدرسة التي يعمل بها أبي . عرفت أيضاً أن الجلباب كانت له مكانة خاصة عند جدي ، فقد كان -    رحمه الله - يرتديه في جلسات فض المنازعات التي كان يحضرها كقاضي عرفي يفصل بين المتخاصمين .
كان جدي - رحمه الله -  من حكماء قريتنا ، عقله راجح ، وسيرته حسنه ، معروف بين الناس بعدله وتقواه ... وقد كان شديد الإعتناء بالجلباب ، يواظب على تعطيره بعد غسله ، ويكويه بنفسه قبل أن يرتديه ، كذالك لم يسمح لعوامل التلف أن تعرف طريقها إليه طوال حياته . وكان أبي دائماً ما يردد كلمات جدي عن هذا الجلباب ..
" يا بُني  إن هذا الجلباب ليس مجرد قطعة قماش مخيطة ، إنه رمز للعدل الذي كنت أحرص عليه في كل الجلسات التي حضرتها "
أخبرني أبي - ذات مرة -  أن المجاهدين في عصر الفتوحات الإسلامية كانوا يوصون بدفن ملابسهم - التي ارتدوها في المعارك -  معهم في قبورهم فكر جدي في أن يوصي بدفن الجلباب معه في قبره ليلقى الله به فيكون شاهداً على عدله ، لكنه تخلى عن هذه الفكرة و رأى أن يورث الجلباب لأبي ليذكره دوماً بالعدل فيلتزم السير بنفس النهج ..
*******
لم يكن أبي قاضيًا عرفيًا مثل جدي , ولم يتسنى له يومًا أن يحكم بين الناس , لكنه داوم على الإعتناء بالجلباب , وواظب على تعطيره بعد غسله , وصيانته باستمرار , وكان يحرص على ارتدائه كلما سافر إلى قريتنا لأداء واجب عزاء أو عيادة مريض أو حضور الأفراح والمناسبات السعيدة .
وكان الناس يحتفون بأبي وينزلونه منزلة عظيمة كلما رأوه قادمًا إليهم مرتديًا هذا الجلباب , ويتذكرون معه أيام جدي الجميلة , وأحكامه العادلة..
وقد حرص أبي على أن يكون امتدادًا لسيرة جدي الطيبة – رغم اختلاف الظروف والعادات بين القرية والقاهرة .
كان أبي - رحمه الله -  معلمًا مثاليًا , ذو سلوك قويم , وسيره تُحتذي , يحظى باحترام زملائه وطلابه , لكنه كان أضعف من جدي في مواجهة الصعاب والمطالبة بحقوقه مما جعله مستضعفًا  -  نوعًا ما – في حياته, فكثيرًا ما كنت أسمعه يتكلم عن ظلم واقع عليه في العمل من مديريه , وتأخر في ترقيات استحقها , لكنه لم يستجب لنصائح أمي له بأن يطالب بحقوقه ويعارض من ظلمه , إذ كان دومًا يردد قائلاُ :- "سيعوضني الله خيرًا , ويا سعد من بات مظلومًا لا ظالمًا"

الجلباب - أيضًا - اختلف - في أواخر سنوات أبي -  عما كان عليه أيام جدي , فلم يستطع أبي أن يمنع عوامل التلف وآثار السنين عن ترك بصمتها على الجلباب , فظهرت فيه أثار قطع في ظهره لم يستطع الخيط أن يمحوها , كما غابت نظرات الإعجاب التي كانت في أعين الناس – من قبل – كلما رأوه بالجلباب .
ذات يوم قال أحدهم لأبي :. " لقد ولَّت أيام هذا الجلباب يا رجل ألم يأن أوان تغييره"

* * * * * *
ورثت الجلباب عن أبي وقد أوصاني بما أوصاه به جدي , وعاهدته على صيانة الجلباب ومراعاة الالتزام بما يرمز إليه من عدل ونزاهة وشرف , لكني حين ارتديته أول مره – بعد وفاة أبي -  كان منظري غريبًا بين الشباب في المسجد أثناء خطبة الجمعة -  صحيح أن ما من أحد علق بلسانه -  لكن الأعين فاضحة وجارحة , بعد ذلك اليوم اتخذت قراري بعدم ارتدائه مره أخرى , غير إني تعهدت بالتزامي بصيانته وتعطيره ،
خصصت له مكانًا مميزًا في دولاب ملابسي , وأوصيت زوجتي بألا تسمح للأطفال بالعبث به .
بمرور الأيام امتلأ الدولاب بملابسي العصرية , فوظيفتي كمهندس في أحد أكبر المكاتب الهندسية تتطلب مني كمًا كبيرًا من الثياب ذي الوجاهة , اضطررت لإخلاء مكان الجلباب لكني أحسنت طيه وتعطيره ثم وضعته في مكان مناسب وتعهدت بيني وبين نفسي -  أن ألتزم بالقيم التي يمثلها الجلباب والعبرة دومًا بالقيم لا الأشياء.

أنا مثل جدي وأبي ذو سلوك قويم وسيره حسنة لا يشوبها إلا بعض المخالفات البسيطة في عملي والتي أجني من ورائها بعض المال , ليعينني على مواجهة ظروف الحياة القاسية  - لو كان جدي بنفسه -  حيًا ما وسعه إلا أن يحذو حذوي في هذه الأيام الصعبة.
لم أزر قريتنا منذ وفاة أبي إلا مرة واحدة مع أخواتي لنبيع قطعة الأرض التي ورثناها عنه . بعهدها لم يعد يربطني بالقرية إلا بعض الذكريات القديمة التي تراودني كل حين لكنها لم تدفعني للزيارة .
بمرور الأيام لم أعد أهتم بمتابعة الجلباب وصيانته , أذكر أني لم أره منذ ما يقرب من عام , لكني منذ يومين لمحت قطعة قماش في يد زوجتي -  تشبه بصورة كبيرة تلك التي صُنع منها الجلباب -  لكنها كانت صغيرة لتناسب علية مسح زجاج الشبابيك التي كانت تقوم بها زوجتي ...
قلت -  مُشبهًا -  " هذه القماشة ذكرتني بجلباب أبي -  رحمه الله - 
قالت -  مبتسمة -  " ذاكرتك قوية  يا حبيبي "
قلت -  مُندهشًا -  أهي فعلاً تنتمي للجلباب ؟
تنحنحت ثم قالت -  بأسى لطيف - 
" لم أجد قطعة قماش لأنظف الشبابيك , فاضطررت لقطعها من الجلباب .. بدلاً من وجوده بلا فائدة.....

#جلباب_أبي
#محمد_مكي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق