صوت طرقات واهنة، باب الغرفة يفتح بهدوء تام، ظهر من خلفه سواد امرأة، بدت لي في الستينات من عمرها.
أنا قابع في ذات الغرفة خلف مكتبي على كرسي مستدير له أرجل متحركة، وأرتدي معطفي الأبيض المعتاد.
جلسَتْ بصعوبة على الكرسي المقابل لمكتبي بعد أن أسندت بيدها على حافة المكتب.
-سألتها عن عمرها...
تفاجأت بإجابتها...
خلعت نظارتي وقمت بفرك عينيَّ جيدا، نظفت عدستيها الزجاجيتين وأعدتها لعلي أتأكد من صحة ما قالت.....
تقول إنها في الأربعينات من عمرها، لم تكن تكذب، لكنه المرض الذي سلب منها شبابها وجمالها.
وكما يقولون عمر المرأة كما يبدو عليها لا كما تقول شهادة ميلادها.
تبادلت معها النكت والضحكات لأخفي عنها آثار صدمتي، حتى لا تشعر أني ظننتها أكبر من ذلك بكثير فأزيدها غما فوق مرضها.
-سألتها إن كانت تُعالج من أمراض مزمنة، أجابت بثغر يخلو من سنَّين أماميين، مبدلةً سينها بثاء "الثكر“.
تشكو من صعوبة في التنفس، ودوخة شديدة، وتنميلا في أطرافها، وتشعر دائما بالجوع والعطش، وتتبول كثيرا.
قست لها السكر العشوائي فوجدته عالٍ جدا، لففت من خلف مكتبي مسرعا، لا غرو فناقوس الخطر يدق منذرا بقرب حدوث كارثة، ركبت كانيولا في أوردة ساعدها وحقنت بها قربة محلول ملح، وطلبت من مساعدتي في العيادة ”التومرجية“ أن تعطيها أربعين وحدة من أنسولين ميكستارد مائة، وبعد أن انتهى التقطير الوريدي الذي استغرق قرابة الساعة، وبدأت انفراجة تحسن في أعراض المريضة، عادت إلى بيتها برفقة ابنها الذي قد تعرَّفت عليه يومها وتبادلنا رقمي جواَّلينا.
وفي أخر اليوم وأثناء مراجعة الحالات مع التومرجية كعادتي كل يوم، أسترجع شريط الحالات بمواقفها سواء الخطيرة منها أو المضحكة، وكان من أخطر حالات ذاك اليوم هذه المريضة.
عندما سألتها عنها،أخبرتني أنها أول مرة تحقن الأنسولين لمريض....
لم تكن ممرضة ولم تدرس علم التمريض، كانت كعامة الناس لا تعرف الفرق بين المعقم والنظيف، لا تعرف أن المناديل الورقية نظيفة وليست معقمة، وأن الماء الذي نحل به بدرة المضاد الحيوي نظيف وليس معقم.
-سألتها بما إنك أول مرة تتعاملين مع الأنسولين، اشرحي لي ماذا فعلتي؟
-قالت: سحبت سرنجة أنسولين كاملة ووخزتها تحت الجلد.
الْتَفَتُ إليها مفزوعا وكأني مضروب بسوط، من هول ما سمعت.
قائلا بصوت أجش ومن قال لكِ سرنجة كاملة؟!
قالت: حضرتك قلت أربعين وحدة، والأربعون وحدة كانوا سرنجة كاملة.
نهضت مسرعا وأنا أصرخ؛ لا وقت الآن لأشرح لكِ الخطأ الجثيم الذي وقعتِ فيه، وجل همي وشغلي الشاغل هو التواصل مع ابن المريضة أو الوصول إلى بيتهم في أسرع وقت ممكن.
أخذت أدق على جوال ابنها ولحظي العاثر كان غير متاح في كل مرة، مما زادني قلقا وتوترا وجعلني أظن أن الحالة أُصيبت بغيبوبة هبوط السكر.
وأنا في هذا البحر من الحيرة والاضطراب، أخبرتني التومرجية والتي كانت ترتعد خوفا واضطرابا بالعدوى مني إنها تعرف بيت المريضة، فرافقتني وخرجنا بسرعة للذهاب إليها، جلست على مقود السيارة وانطلقت أسابق الريح ولا أعبأ بمطبات الطريق الترابي الذي لم تألفه إطارات السيارات، وبعد أن قطعنا مسافة ما بين المنعطفات والمطبات وصلنا لبيت الحالة، الذين أصابهم شئ من القلق والذعر عند رؤيتي، لكني هدأت من روعهم وأبلغتهم أن هناك خطأ ما قد حدث، لقد أعطينا للمريضة جرعة أنسولين أكثر من اللازم، فوجب علينا أن نأتي ونطمئن عليها ونصلح الخطأ، بأن تشرب المريضة كوبا من الماء المحلى بالسكر حتى لا تدخل في غيبوبة هبوط.
وبالفعل عندما قست السكر وجدته قد انخفض بشكل ملحوظ وأوشكت الحالة على الدخول في غيبوبة هبوط سكر.
فحمدت الله واعتذرت للأهل على هذا الخطأ غير المقصود، وتقبل الأهل عذري وشكروني على الأهتمام.
وفي طريق العودة شرحت للتومرجية الخطأ الذي وقعت فيه، وأنها أعطت مائة وحدة من الأنسولين وليس أربعون كما أبلغتها، وهذا الخطأ قد شارك فيه الصيدلي بصرفه أنسولين مائة وسرنجات أربعين.
فالأنسولين المائة يصرف معه سرنجات مائة، والأنسولين الأربعين يصرف معه سرنجات أربعين.
د. ابراهيم مصري النهر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق