الاثنين، 3 فبراير 2020

لسان اليد تأليف: معتز صلاح

لسان اليد
تأليف:  معتز صلاح
الاهداء
الى الخطاط حلمي جاد شكرا جزيلا

يوم السبت ..
ضربات عكازي اليوم مختلفة فرحه وسعيده ، أكثر من كل يوم ، وخشبه الأسود المطعم بحروف متناثرة فوق المقبض يلمع لانعكاس شعاع شمس ، ربما لأن العكاز لأول مره يرتدي تلك الحلية النحاسية في قدمه الواحدة  ، عبد الرحمن اضافها بدون علمي لأفاجئ بها اليوم .
اسفلت الشارع يلمع بعد مطر الأمس ، المحلات المغلقة تبدو وديعة جدا فى الصباح الباكر ، وكأن الزحمه لم تستيقظ بعد ، أصوات قطار بعيد يطلق صفارات ضعيفة ، زقزقات تتقاطع مع صوت ام كلثوم .
" ياصباح الخير ياللى معانا "
من كل الأماكن كأنه نشيد موحد يتردد بصوت واحد وسرعات مختلفه .
صوت باب دكان محمح يفتح بحده كالعادة ...
أخرج مفتاحي الأصفر الصدئ لأفتح الباب القديم ، ضوء الشمس ينعكس لأرى ظلي فى الزجاج بدقن بيضاء وجلدي مجعد ، محمح يقذف بالأشياء خارج المحل بسخطه المعتاد .
" ياللى معانا ...ياللى معانا "
تداعبني ام كلثوم كالعادة من ذلك الشئ الجديد ، لم اعرف اسمه ابدأ .. اسم مكونا من حروف انجليزيه ما ، يرقد بجانبه الراديو القديم مزينا بحروف كتبها كل من دخل هذا المحل، كل يكتب اسم مطربه المفضل فى تداخل غير مقصود للمطربين وللسنوات ...
للمرة الأخيرة أري اسمي على الباب
" جاد الله الخطاط "
اتذكر يوم علقت تلك اللافتة  ... ايضا كان يوم سبت، وكانت ملك تحتضن السلم بكل خوف رغم اعوامها العشره ، لكنها كانت طويلة وتخاف سقوطي ، ومن شدة الاحتضان كدت اسقط فعلا ، الا أني سارعت فى قفزة تحاكي قفزتي اثناء الشباب ، أهبط قريبا منها ويسقط السلم بعيداً، تنفجر باكيه فى احضاني .
ربنا يسعدها هي واولادها ..
-    لسه بتسمع صباح الخير ؟؟؟
مندفعا وبصوته الرفيع غير المتناسب مع جثته المكورة ..
-    صباح الخير يا محمح
-    ياعم جاد محمح دا كان زمان دلوقت اسمي مدكور الفيومي .
-    ماشي يامحمح ..
الصوت من سماعه محمح .. عادي مشروخ .. بلا نغمات
" انا مش مصاحب حد..مفيش حد زميلى "
الكروان غنى وصحانا
وصحانا
المشاجرة بين الأغنيتين لم تنجح فى دفع ابتسامة لملامح محمح المقتضبة ، واضحكتني لدرجة الاهتزاز ...
-    عارف يا عم جاد كانك بتبدأ تخرس !!
-    نعم ؟
-    ايوه ثواني حاضر .جاي !! لأ شيل ايدك انا اديلك ..
محمح تحرك بسرعة حتى لا يلعب الزبون فى بضاعته القليلة ..
 دكان محمح إمامي اراه دوما وتقريبا لا نتبادل إلا كلمات قليلة لم يتكلم معي طويلا إلا الآن !
هل يعرف انه اخر ايامي فى المحل ؟
اعواما لا اعرف عددها .. ظل المحل مفتوحاً ، أثناء الانتخابات أو العطلات الرسمية تشهد رواجا وفى أثناء المدارس يتجمع حولها عدد قليل أعلمهم الخط العربي ، أحدهم عبد الرحمن سيفتح المحل فى الغد ليديره لأتقاعد .
عبد الرحمن ابن أخي لكنه ابني أكثر من أخي ربما لظروف سفره ، لكن لم اعرف الا ان عبد الرحمن ابني وخاصة قبل مجئ ملك ، كنت اتمني زواجهما لكن هل يتزوج الأشقاء ؟ اتقن عبد الرحمن من فترة بسيطة جميع فنون الخط الثلث الرقعة ..النسخ والفارسي ، ليصبح خطاط متمرسا اشاهد لوحاته معجبا ،لا أدري لم يتميز فى حرف الميم بخطوط أنيقة و استطالات جديده كأنه عالم بمفرده ، تداخلات من حروف أخري وأشكال متعددة وتلوينات راقيه كأن فترة الشباب هي من تخط لا يداه.
يد طفل فى الخامسة تمسك بصعوبة فرشاة سميكة تغمسها فى طلاء لامع احمر لتندفع لترسم حرف ألف ممتد فى وسط القماش الزاهي البياض .. كانت يدي لأجد روزنامه سنة 1959 لن انساها فلم تكن تهنئه من أحد او كانت من أحد المصانع ، تداخلات لحروف على شكل شيخ يصلي وكلها تكون جزء من آيه ما ، كم بهرتني وبالذات تكرار حرف الهاء باشكال عده لأكتشف أنها شكل جميل جدا ، فمرة تكون كعقدة بسيطة ، كفراشة تطير بعيدا ، كثعبان يلتف ليقضم ذيله ، وحرف يتعلق فيه باقي الحروف لتصعد فى الجو .
قلدت تلك الحروف المتداخلة طويلا حتى بدأت تظهر حروفا جديده بتكوينات جديدة من آيات قرآنية أخري .
لأقع على كراس صغير يسلم فى المدارس لتعليم الخط العربي لأسقط في عشق هذا الفن ، لتصبح الدنيا تكوينات عديدة ، ومن وقتها وانا ارسم حروف بتداخلات اراها امامي على كل شئ ، فقط إخراجها للوجود بتحديدي لكنها موجودة فعلا تنتظر الظهور .
المحل كأنه يستعد لى بطاولتى العريضة الخشبية ذات اللون الحائل بحروف فى بروفات لوحات عديدة بأسماء مختلفة أحدهم لأسم ملك بشكل طفله جميله تتقافز بضفيرة طويلة لدعاء يحفظها كطلسم يتكرر مرات عديدة كل مرة أكتب فيها اسمها الغالي ، وعبد الرحمن يتكرر أيضا بحروف فارسيه وأحيانا بالنسخ او بالثلث الجلي المزخرف بكل الحركات.
" انا مش مصاحب حد..مفيش حد زميلى "
-    تفتكر ايه أخر اللى احنا فيه دا يا حاج !
-    مش فاهم يا محمح قصدك ايه ؟؟؟
-    ايوه حاضر جاي ... ابعد ايدك لأقطعها ...
وانطلق للمحل مسرعاً .. غريب هذا اليوم لا يتعامل معي بالملل المعتاد أو بالاشارات الغامضه وبالغمغمات .. يريد اليوم الكلام ؟
احاول تذكر أول مرة رأيته فيها ..
فى الطريق الطويل لمحطه القطار بجانب فرج بائع الفاكهة متحلقين حوله فى دائره هو بمنتصفها بأصباغ غريبة حولت وجهها الى مهرج مبتسم بسعادة شديدة وتقريبا بنفس الجسد البرميلي داخل جلباب واسع كالخيمة به كل الألوان ، ربما يختلف قليلا فمحمح الآخر كان ضحوكا وأبيض اللون والقلب بضحكه لا تستطيع تميزها عن ضحكة طفل فى الخامسة ،لكن مدكور بجسم اقل وان كان الترهل واضحا فى كرمشات الجلد فى العنق واليدين وذقنه المتناثر بها شعيرات طويلة بيضاء يتقاذف كرات مختلفة الحجم واللون بشكل رائع يضحك الكل وخاصه مع سقوطها فجأة على رأسه ، بحركات تبدو طبيعية تماما ،يكاد يطير من الأرض فرحا ً بطفل اعطاه قطعه حلوه صغيره بفخر فخلع محمح أنفه الأحمر بسرعه ، ليلبسها للطفل الذي تفاجأ وضحك بسرعه وبصوت عالي ، وقفزا معا فى الهواء بشكل مطابق غريب.
يومها كتبت بالحروف آيه قرآنيه على شكل طفل ضاحك ..كانت الكاف تضحك لى مع كل ظهور لها ، وعندما عبست الياء قليلا .. دحرجتها الكاف في كشيده طويله لتظل الكاف ضاحكة مشكله فم الولد الجميل .
مع افتتاح المحل المجاور لأجد محمح يرتدي قميص وبنطلون لأول مره ، السنوات حروف تمر بعضها بحرف السين سعيده سخية ساخنة لحب زوجتي الجديدة ، او حرف ميم ممله مستقرة مترهله ، ،بينما تمر فترات الانتخابات بخطوط طويلة على أقمشة بيضاء ، محمح يغلق المحل فترات طويله أحيانا ليظهر بدقن متناثرة مع صور جديدة تملأ محله لزوجته ذات الشعر بألوان مختلفة لتملأ الرف الأوسط فى المحل .
سنوات ولم يصبح فى المحل مكان لأي اعلان ، صور زوجته تملأ حتي شكائر الحبوب أو مصنوع منها ثلاجة الحاجه الساقعه ، يعطي محمح كل طفل قطعة حلوه صغيره كالعادة .
" انا مش مصاحب حد..مفيش حد زميلى "
محمح يطارد عصفور صغير يطير داخلا للمحل ، ليقف وذيله الاسود على زهور الجوري الجميلة في إنائها المزخرف بحروف كلمات زهر وورد بشكل متداخل، يأخذ دوره سريعه فى المحل ليخرج من الشباك المقابل ، محمح يصطدم بكل شئ ليسقط أرضا محاطا بأعواد البوص المختلفه الاحجام والاطوال،الدواه المصنوعة من الرخام الأبيض المعرق بتجاعيد حمراء كبشرة الاتراك و سيقان البردي الطويله.
اتذكر اول مره اشتريت  ورق بردي من قرية القراموس ،نفس الاعواد الطويله الخضراء الرفيعة ، يومها أبي فرح لاختلط بعمال ورشة عم فضل صاحب الطاقيه البنيه،يومها جلست معهم لأتعلم كيفية صناعة تلك الورقة الجميله من البردي ذات اللون العاجي ، اصابع سيد وكريم تعرف طريقها وفى ثوان قطعوا البردي لخيوط بمقاسات متساوية ثم وضعوا الكل فى ماء عادي وبحركه تلقائيه التقطوا اناء اخر فيه البردي جاهز لعمل الورقه ، وبحركات ماهرة سريعه جلسوا متقابلين وبدأوا فى رص الشرائح بمهارة ودقة ، عندها سمح لى كريم ان اجلس امام سيد لأساعده ، ربما ليلعب هو مع اصدقائه سعادتي بالتجربه اتذكرها كل مره مع غمس يدي فى الماء البارد والتقاط شرائح البردي لألمح نظره والدي بابتسامته الواثقة لى خاصة مع تقدم سرعتي في عمل الورقه ، ليخرجه آخرون من المكبس بعد فتره ، ورقا مضلعا بتدرجات من الأصفر والبني .
 تتكرر التجربة مع عبد الرحمن بعد اعواما طويلة لكن مع تحول الورشه لمالك جديد ، صديقي العزيز كريم فضل .
" انا مش مصاحب حد..مفيش حد زميلى "
يقف محمح محطما بعض أعواد البوص ، وجهه الأبيض مضحك جدا وذقني البيضاء تسمح بضحكات هادئه ، بحركة هائه ينزع السماعات ليغلق هاتفه بهدوء وينظر للأرض متحاشيا النظر إلى ويتكلم بصوت خفيض كالهامس لنفسه
-    هرجع مهرج يا عم جاد .
-    إيه ؟
-    هرجع مهرج يا عم جاد .
-    براحتك يا محمح
-    طبعا براحتي امال براحتها !! اتخنقت ..
-      ثواني ياعم جاد
واتجه مسرعاً للمحل يغلقه بضربه واحده، صارخاً فى وجه سيده
-    خلاص جبرنا ! لأ .. قفلنا خلاص
-    ياسم.. اجيب من حد تاني !
ملامح محمح رجعت لصفاء اعوام ماضيه ، وجلس بجانبي بهدوء طفل
-    كلمة مهرج اكتبها ازاي ؟
-    مش بتعرف تقرأ وتكتب ؟؟
-    مش قوي !
-    طيب هاكتبها لك ..
لألتقط قطعة بوصه شبه محطمة ، هي تنادي على لتتحول قلم عريض ، سكيني العزيزة ذات جراب صوف الماعز تقبلها قبلات حاده ، يصبح لها سـن جميل واغمسه فى حبري الخاص المصنوع من زهور الجوري والصمغ العربي لأشكل كلمة م هـ ر ج  بحروف عاديه فى الجانب الأعلى بالخط الأندلسي ، ثم تحتل الكلمه بشكل محمح الصفحه كلها فترسم عيناه فى الهاء وكرشه الضخم فى الهاء والميم تشكل ضحكته  فى وجه منتفخ بالسعادة الأن .
يلتقط ورقة البردي حامله اسمه صارخا بفرحه طفل الخامسة ، ليحتضنني بحب صاعق لضلوعي ، يقفز على كرسي يـصرخ لوزنه ، ممسكا بورقة جديده محاولاً تقليد كلمة مهرج مرة أخرى بسعادة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق