الصفحات

الجمعة، 14 فبراير 2020

الشرود .. د. إبراهيم مصري النهر

الشرود
.
.
هادئ الطبع، قليل الكلام، محب للعزلة، وإن كنت لا أغيب عن المناسبات الاجتماعية، شارد الذهن، شرودا لم أختره ولا جُبرت عليه، شرودا بالسليقة، فمنذ نعومة أظافري لاحظ والداي هذا، تقول أمي عني كنت في طفولتي كثير التأمل، كثير السؤال والاستفسار عما أرى، وأجهدها بكثرة أسئلتي ولا أتركها حتي تعجز عن الإجابة.
نَمَتْ هذه الصفة معي واستفحلت وصارت مُركَّبة ومعقدة، شرود بصري فيما يدور حولي، يخفي في باطنه شرودا آخر أشد عمقا وأقوى أثرا، شرودا في دروب المستقبل مطموسة المعالم، في هموم الحاضر وجراح الماضي.

الطيبون من الأهل والأقارب والجيران يرجعون ذلك إلى كثرة المذاكرة والعلم، وبيني وبين نفسي أسخر منهم وأُومئ برأسي وأنا أتمتم دعهم مخدوعين.
كلَّفني هذا الشرود الكثير، ففي سنة الإمتياز في مستشفيات جامعة الإسكندرية، استقليت من بلدتي قبل غروب الشمس الحافلة المتجهة إلى تلك المدينة القابعة على شاطئ المتوسط وينادونها بعروسه، كنت نوباتجيا في هذه الليلة، ركبت في مكاني المفضل بجوار النافذة، حيث التربة الخصبة للخلوة الذهنية والشرود مع أعمدة التليفون وأسلاكها، ومشهد الشفق واحتضار الشمس وسط بركة من الدماء، وأسراب الطيور المُعزِّية على خلفية من السحب السوداء المتناثرة في أرجاء السماء، في مشهد تراجيدي مهيب، إنه الغروب الآتي لا محالة.
وفي خضم هذا الزخم من توارد الخيال واكتظاظ الذهن به والضياع في أزقة الشرود المتشابكة والمتشابهة، تفاجأت بوخزة في جنبي بكوع من بجواري قطعت حبل شرودي مصحوبة ب ”الأجرة يا أستاذ“.
لا أراه لجأ إلى استخدام كوعه إلا بعدما فشل في تنبيهي بصوته، شرود واندماج وصل إلى حد الغياب التام عن العالم المحيط.
أخرجت حافظتي العامرة بالنقود وبها بطاقتي الشخصية، دفعت إليه الأجرة وتركتهم يتجادلون كالعادة حول الفكة والباقي، ورجعت مسرعا لأستكمل شرودي.
نبهني إلى مكان نزولي صوت السائق ”أول الكبري اللي نازل“، لملمت على عجل شرودي واستعددت للنزول.
عند أول كوبري محرم بيه توقف السائق وهو يستعجلنا بقوله ”بسرعة يا جماعة اللي نازل“ فأبواق السيارات التي خلفه تحثه على المسير.
وما أن قفزت خارج الميكروباص حتى جر أحد الركاب الباب مُوصِدا إياه، وانطلقوا....
أفاقني هواء البحر الخريفي البارد من شرودي وعاد بي إلى أرض الواقع، بدأت أبحث عن الحافظة، في جيوب البنطلون تارة وجيب القميص تارة أخرى، أخرجت الجيوب إلى الخارج وكأني أبحث عن إبرة قد اندست في التعاريج، التفت حولي، أنظر خلفي، أبصر تحت قدميَّ بعد أن أرفعها في حركات بهلوانية سريعة، أخيرا تذكرت أنها كانت في يدي، فتحتها ونظرت فيها فلم أجد شيئا، أيقنت وقتها أنها فُقِدت.
خيم الهم والحزن على قلبي وأخذا ينخرانِه بسوسهما الشرس، وانهلت على النفس جلدا، ألومها وأعنفها، كثيرا ما نصحتها بالتركيز فلم تكترث، كنت أبتغي شراء سويتر بهذا المبلغ الذي جمعته بعد عناء.
ترجلت من كوبري محرم بيه إلى مستشفى الميري أترنح ألما وحزنا، لا أدري ماذا أفعل، كيف سأقضي ليلتي ضامر البطن، كيف سأعود في الغد وليس معي أجرة الطريق، ممن أستلف بعض المال وليس معي زميل مقرب أو على الأقل أعرفه.
أفقت من شرود إلى شرود أشد وأخطر، شرود كاد أن يكلفني حياتي، فبينما أنا كذلك سمعت صوتا مدويا لاحتكاك إطارات سيارة بالرصيف على إثر ضعط سائقها على كابح السرعة وهو يصرخ بأعلى صوته "صحصح يا أستاذ، بطلوا الهباب اللي بتبلبعوه ده“
أثناء النوباتجية لاحظت زميلة فاضلة مسحة حزن اعترت وجهي، ودموع وهموم متجمعة خلف الجفون، مسحة ودموع وهموم لا يراها إلا إنسان وهبه الله عيونا بعدسات خاصة، عيونا تبصر المشاعر والأحاسيس وخدوش وكدمات النفس.

من ملامحي الحزينة وبحسها المرهف وبصيرة قلبها الثاقبة تأكَّدت أني تعرضت لحادث ما، وأصرت أن تعرف، حاولت أتهرب منها، لكن أمام إلحاحها انهرت وحكيت لها ما حدث.

أخذت تضحك وتضحك وتضحك.....
ثم قالت هون على نفسك، واصطحبتني إلى الكافيتريا، ابتعنا مولتو وبسكويتا واحتسينا شايا، كل ذلك كان بشرط أن يكون كل ما نشتري على حسابي مما أقرضتني من نقود.

ودخلت في شرود جديد.
د. إبراهيم مصري النهر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق