بينما أتفحص مريض على سرير الكشف، جاءتني مكالمة تليفونية، مددت يدي ولمست شاشة الجوال لأكتم الصوت حتى لا يشوش عليَّ أثناء قياس الضغط.
بعد أن أنهيت الفحص ونزل المريض من على سرير الكشف وجلس على الكرسي المقابل لمكتبي، رن الجوال مرة أخرى، نظرت فإذ به نفس الرقم، استأذنت المريض في الرد على الهاتف، ربما يكون مريضا يستنجد بي.
ضغطت على الدائرة الخضراء لأفتح الخط ووضعت الهاتف على أذني فسمعت صوتا بلهجة ريفية خام لم تعهدها أذني من قبل، تأكل حروفا وتمط أخرى ومحملة بكم هائل من العفوية والسذاجة.
فحوى المكالمة إنه من قرية نائية في مركز إطسا محافظة الفيوم، أمي لا يقرأ ولا يكتب ولم يخرج من كردون قريته يوما ما، ومن كان يقوم بادارة شؤونهم أخوه الأكبر وسافر للعمل بالسعودية، هو من أعطاه رقمي وأخبره أن يتصل بي ويخبرني بهذا السر وسيجد فيَّ الأخ وأكثر.
سألته، وما السر؟
أجاب، وجدت أمس بالصدفة أثناء حفري بالحقل مقبرة آثار.
من هنا اتضح لي اتجاه بوصلة المكالمة، قلت له ممكن تعاود الاتصال بعد ساعة لأني مشغول الآن، كنوع من الخروج التكتيكي من المكالمة.
أغلقت الخط بالضغط بحنق على الدائرة الحمراء، وبوجه ممتعض من هذه المكالمة الحمقى التى لا طائل من ورائها ولا فائدة لها تُذكر، والتفت إلى المريض الذي تناثرت إلى أذنيه بعض الكلمات، وبوجه مبتسم وخفة دم المصري الساخر قال مازحا:(ايه يا دكتور حضرتك بتَّاجر ف الآثار من ورانا) وضحك وضحكت وتعالت الضحكات وبسط كفه فصافحتها بقوة محدثة صوتا مدويا عم المكان.
مرت ساعة وساعتان ولم يتصل وكدت أنسى ما حدث، في طريق العودة رن الهاتف، أخرجته من جيب الجاكت، يا للهول تقريبا إنه نفس الرقم، أخره أربعتان غالبا هو، بل بالتأكيد إنه هو هذا المعتوه.
متردد، أفتح عليه أم لا، سأفتح عليه وأسمع باقي الحكاية، لن أخسر شيئا، فتحت عليه وبعد السلامات والتحيات أكمل سرد حكايته قائلا: إنه أثناء حفره في الحقل اصطدم معوله بشئ ما وارتد عليه، تتبع هذا الشئ وجده زلعة مليئة بقطع من الذهب وهذا غيض من فيض، فالأمر ليس مقصورا على هذه الزلعة، بل مقبرة مليئة بتماثيل الذهب والبازلت (وإن كانت الزلعة تكفي)، وأخذ يستجديني ويستعطفني بلهجته الريفية أن أساعده ولا أتركه، وكرر هذا الإتصال مرات عديدة حتى أنه بكى في إحداها بكاءً حارًا، وكل ما يصبو إليه أن أُسَوِّقها له ولي النصف.
لا أخفيكم سرا لقد سال لعابي وأخذت أحلم أحلام اليقظة، أحلم بتحقيق الخمسة عين التي قالوا إن الأطباء يحققونها ما دام الطب فشل في تحقيقها، ومع كثرة إلحاحه وتوسُّله قررت السفر بعدما طرحت ظنوني جانبا.
في يوم جمعة وبعد صلاة الفجر اصطحبت أخي وتوكلنا على الله، ألهث خلف سراب ظننته ماءً، في الطريق أنظر من نافذة السيارة على الأفق البعيد ويأخذني الحلم لأحلق في عنان السماء، ألْتَفِت إلى أخي وأقول له ”معقولة“؟
فيرد (ليه لأّه! مش بعيدة على الله!)!
فيبعث فيَّ الأمل مرة أخرى، وكلما أوشكت على الإفاقة من هذا الوهم يعطيني أخي جرعة مخدر أخرى بهذه الجملة.
وصلنا الفيوم وعقارب الساعة تشير إلى العاشرة، والتي بدت لنا كواحة خضراء منخفضة تشرف عليها الهضاب من جميع الجهات.
المكان المتفق أن نتقابل عنده سد اللاهون، أثر فرعوني مهمل، لو حظي بقليل من الإهتمام لأصبح مزارا سياحيا لكثير من السياح.
بمجرد أن وصلنا وجدنا شابا يرتدي تي شيرت أحمر ونظارة شمس سوداء ويركب دراجة نارية، عرفنا بنفسه ثم أردف قائلا: إن ابن عمه طلب منه أن يقابلنا وينقلنا إليه على أننا ضيوفه من البحيرة، ركبنا ثلاثتنا على الدراجة النارية واتجهنا صوب الصحراء، قطعنا شوطا كبيرا ما بين مرتفعات ومنحدرات ومنعطفات في طريق غير مأهولة، ونحن نترنح على ظهر الدراجة يمنة ويسرة، في أخر المطاف وصلنا أمام بيت مهجور يجاوره عدد قليل من البيوت المتناثرة، أظن أنها غير مسكونة وأعدت خصيصا لمثل هذه المقابلات، وما أن توقفنا إلا وخرج رجلان من البيت طول بعرض وأنيقان في المظهر (يعرفان الكفت)، وذلك يتنافى تماما مع الصوت الريفي الذي كنت أسمعه في المكالمة، وبدأ الشك يتسرب إلى النفس، سلَّمنا عليهما ودخلنا البيت وجلست منتظرا أن يستنهضنا أحدهما للصلاة، لكن ذلك لم يحدث فطلبت منهما أن نتوضأ ونذهب إلى الجامع لصلاة الجمعة أخبروني أنه لا يوجد جامع قريب وعليك أن تصلي في البيت، وبالفعل صليت بالبيت، وكان أول القصيدة كفرا كما يقولون.
بعد الصلاة أردت أن أفتح الموضوع لنخرجا بسلام من هذا الفخ، لكنهما رفضا الكلام قبل أن نتناول الفطار ليكون عيشا وملحا، وبالفعل فطرنا واحتسينا الشاي.
ثم قال أحدهم للآخر قم وألقي نظرة حول البيت وأحضر الأمانة، ذهب وبعد قليل جاء يحمل شيكارة على ظهره، يبدو من طريقة حمله لها أنها ثقيلة، قام جليسنا وساعده في وضعها أمامنا وأخذ يُخرِج منها تماثيل بلون الذهب وبأحجام مختلفة، وصندوقا أثريا ممتليء بعملات ذهبية، وبينما نحن مسبهلين من المنظر، قال أحدهم هذا قليل من كثير وهناك أيضا تماثيل من البازلت وجاء بواحد منها.
أراد أخي أن يختبر قطعة البازلت، أظنه قد انبهر وبدأ يتفاعل مع هذا الفلم الهندي، نظرت إليه بطرف عيني فأظنه قد فهم ما أرنو إليه، وكان كل ما يشغلني أن نخرجا من هذا المكان سالمَين.
سألتهما ما المطلوب منا، قالا تدفعا لنا خمسين ألفا وتأخذا آثارا بقيمة مائة ألف أول مرة، وبعد ذلك تأخذا وتبيعا ثم بعد ذلك تسددا وبنصف القيمة وهكذا، فقلت لهما معتبرا أن هذا الإتفاق فرصة ذهبية بالنسبة لنا ومُوبِّخا لهما أنهما لم يخبراني بذلك كنت أحضرت معي مائة ألف وأخذت بمائتي ألف معي هذه المرة فخير البر عاجله وأظهرت تأسفي المزيف على ملامح وجهي، واتفقنا معهما على أننا سنحضر المبلغ ونأتيا غدا أو بعد غد، وانصرفنا وهما على أمل أن نأتياهما ثانية.
استقلينا الدراجة مرة أخرى عائدَين نجرا أذيال الخيبة، عائدَين مع اختلاف المشاعر من الأمل إلى خيبة الأمل، ومن التحليق في سماء الأحلام إلى الهبوط على أرض الواقع، وإن كنا لم نخسرا كثيرا فقد رأينا أماكن أثرية، وتعلمنا دراسا قلما تجده في الكتب.
ويظل الغنى السريع حلم يراود الجميع مما يجعلنا عرضة للنصب والاحتيال من معدومي الضمير وبائعي الوهم.
د. ابراهيم مصري النهر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق