الخميس، 9 يناير 2020

في أدبية النص الصوفي .. للدكتور بلال داوود


"التشوف، إلى رجال التصوف " لابن الزيات التادلي نموذجا

الدكتور بلال داوود   كاتب وباحث مغربي

على سبيل التقديم:
إن المكتبة المغربية تزخر بجواهر ثمينة تستحق الحفاوة والتنقيب، والتي تحمل في طياتها رصيدا اصطلاحيا نقديا معها، له حمولته المعرفية ومفهوميته المشتركة. لكن في ظل انفتاح العالم العربي على مختلف الحضارات الغربية والشرقية، أصبحت تنهال عليه من كل حدب وصوب، علوم ومعارف شتى، كانت نتيجتها الحتمية، التشتت والتباين، واللبس والغموض في جل مصطلحاتنا النقدية.
لهذا كان من الواجب علينا أن نحصل وندرس تلك المصطلحات النقدية الأصلية الواردة فيها، ونحدد مدلولاتها، أملا في تطوير عمل معجمي شامل، يتناول المؤلفين السابقين كلهم والعصور جميعها، والظفر بلغة اصطلاحية مشتركة تحقق التواصل الصحيح بين الناقد والقارئ، فمن المعلوم أن المصطلح لا يتشكل من لغة عادية، وإنما من لغة علمية مشحونة بمفاهيم أدبية مضبوطة، واصفة للنص الأدبي تسمى "ما وراء اللغة"، أي ما يقوله النص من غير تصريح.
نتحدث إذن عن "فكرة التأويل"، أو "الهيرمونطيقا". وهي لغة تمتلك قدرة اكبر على التجريد الذهني، لأنها تتجاوز الإطار اللفظي والمعجمي، وتزحزحه إلى دلالات جديدة، وعوالم فريدة، لم تكتشف بعد.
فمن مزايا هذا المقال، التحديد الدقيق لتلك المصطلحات، وتأصيلها وتجذيرها في ثقافتنا المغربية المعاصرة. وذلك في نطاق مدونة واحدة هي "التشوف، إلى رجال التصوف" لابن الزيات التادلي. وهنا يأتي التحدي، فالكتاب لا يعود لأحد أعلام الدراسات النقدية أو البلاغية، بل يعود لابن الزيات التادلي، صاحب كتاب "نهاية المقامات، في دراية المقامات".
(قال الحضرمي: هو الشيخ الفقيه القاضي الأديب مؤلف كتاب "التشوف، إلى رجال التصوف" وله تأليف في صلحاء المغرب، لم يدخل الأندلس، صحب أبا العباس السبتي ولقي ابن حوط الله والسلالقي، وشرح مقامات الحريري شرحا نبيلا جدا...)( ).
فالتعريف يوهمنا بأن المؤلف ليس له ثبات واستقرار في كتاباته الأدبية، فهو يتشتت بين المشيخة والفقه والقضاء والدب وغيره، ومنه نجد صعوبة التحدث عن تصور شامل ومفاهيم خاصة بالمؤلف، تؤهلنا لاكتشاف كنه تلك اللغة الأدبية الواصفة المستعملة في كتاب "التشوف"، المتميزة بالعمق والمنهجية العلمية، ذات المصطلحات النقدية.
وفي هذا، يقول الدكتور محمد مفتاح: "وتحديد الكتابة الصوفية أنها تهدف إلى تكوين إنسان كامل، بطرق خاصة، في سياق معين، والكتابة كما هو معلوم، جنس تدخل تحته أنواع متعددة، مثل الكتابة الفقهية، والكتابة الكلامية، والكتابة الشعرية، والكتابة النحوية...، فالكتابة الصوفية إذن جزء من كل، تشترك مع هذا الكل في وسيلة التعبير، وهي اللغة الطبيعية (اللغة العربية)"( ).
والحقيقة المغفلة، هو ابن الزيات كانت حياته خاضعة لمنطق التحول والتغير حسب المستويات الثقافية، وما يقطعه الفكر من مراحل على درجات سلم التدرج والترقي (فقه، تصوف، أدب)، وما تبلغه المجتمعات من تقدم وتطور في الحس الحضاري، أو عكسه من تقهقر وهزيمة، حيث يقول الناصري في كتاب الاستقصا :(وفي سنة سبع عشرة وستمائة، كان الجراد والقحط والغلاء الشديد بالمغرب. وفيها الف الفقيه ابو يعقوب، يوسف بن يحيى التادلي المراكشي، الذي عرف بابن الزيات كتابه المسمى بـ "التشوف، إلى رجال التصوف")( ).
فكتاب "التشوف"، حاول مؤلفه أن يخلص المجتمع الموحدي من أزمته، وذلك استنادا إلى روايات مناقبية تدل جميعها على فكرة البعث، من جديد، وتجديد القوى الروحية من جديد، أي ميلاد جديد للإنسان، فابن الزيات كانت له نظرة في التحول، فكان يروم إلغاء المجتمع القديم كلية وتدشين مجتمع جديد.
"فهناك من يرى أن الكرامة لم تكن سوى أداة للنقد، استعملها التيار الصوفي لتمرير خطابه الإصلاحي، وذلك لما للكرامة من خصائص تتيح الغرض المنوط به، فمن هذه الخصائص ... ما للكرامة من قدرة على التمويه. إذ هي بمنزلة خطاب مستور وملتو يضمن للصوفية السلامة من أي اضطهاد. كما أنها وسيلة تمكن الصوفية من توجيه خطابهم إلى المجتمع دونما حاجة إلى مقارعة السلطة بالقوة، وفوق كل هذا فإن علاقة الكرامة بالدين يعني ارتباطها بالمقدس الذي يكفل لها القبول لدى العامة والخاصة..."( ).
هذا كله، حتى لا يظن القارئ وهو يتصفح كرامات الأولياء ومناقبهم، أن الرجل كان ساذجا بسيطا ينقل ما يسمع بكل عفوية، وأن يعلم لمؤلفه تلك المكانة العلمية المرموقة التي وصل إليها وهو يحاور نصوصه، والتي تتجلى كما سنرى في معيرته وانتقائه للخبار التي نقلها، وتوظيفه لاصطلاحات نقدية في مؤلفه "التشوف".
ثم إن المعجم الشامل الذي نطمح في وجوده ذات يوم، لا يمكن أن يكون سوى نتيجة لبحوث جزئية مثل هذه، تتوخى الأصالة والبحث عن نظرية مغربية للأجناس الدبية، والتخلص من عقدها الثلاث الملازمة لها في عملية التفكير، ونقصد دون شك، عقدة الغرب، وعقدة الأندلس، وعقدة المشرق، فتراثنا هويتنا، وفكر متجدد، وليس غرثا جامدا كما يتوهم المتوهم. فكل بحث في التراث، هو في الأصل بحث في الجذور، في الذات وفي الأصول، وبه يكتسي الحاضر الأدبي والنقدي قيمته الواقعية والرمزية كجزء من حضارة الأمة ككل.
وإذا كان لكل مقام مقال، ولكل صناعة لفظ، على حد قول الجاحظ، فإنه من البديهي، ألا تفهم تلك الصناعة، ولا آثار أولئك القوم، إلا بمعرفة تلك الألفاظ.
وهذا، ما دفع الخوارزمي بتسمية كتابه في المصطلحات بـ: "مفاتيح العلوم"، ليس هذا فحسب، بل هي خلاصة البحث فيها في كل عصر ومصر.
ولندع الآن، مؤلف كتاب "التشوف"، يعرفنا بالكتاب موضوع اشتغالنا بنفسه.
يقول ابن الزيات :".... ولما خفي عن كثير علم، من كان بحضرة مراكش، من الصالحين ومن قمها من أكابر الفضلاء، رأيت أن أفرغ لذلك وقتا، أجمع فيه طائفة، أدون أخبارهم، وأضيف إلى ذلك، من كان من أعمالها وما اتصل بها من أهل هذه العدوة الدنيا.
وربما ذكرت من قدم مراكش وما اتصل بها، وإن كان من غيرها، إذا كان مماته بها، وذكرت من هو من أهل هذه العدوة، وإن كان مماته بغيرها، وتحريت في نقل ذلك عن أهل الثقة والأمانة والخير والصلاح. والمستورين ما استطعت. وربما ذكرت بإسنادي ما نقلته من ذلك، وربما سمعت الخبر من عدة طرق بألفاظ كثيرة. فاعتمدت على أصحها سندا، وأقربها إلى الصواب لفظا، ونبهت عند ذكر كل رجل ذكرته، على مقامه المعلوم له. وسميت هذا الكتاب "بالتشوف، إلى رجال التصوف" وإن كان مشتملا على أضراب من أفاضل العلماء والفقهاء، والعباد والزهاد والورعين، وغير ذلك من ضروب أهل الفضل ..."( ).
ويسترسل ابن الزيات كلامه فيقول: "... وصدرت هذا "المجموع" بسبعة أبواب، لازمة هي كالمدخل إليه:
الباب الأول: في صفة الأولياء.
الباب الثاني: في حفظ قلوبهم وترك النكير عليهم.
الباب الثالث: في محبتهم.
الباب الرابع: في زيارتهم ومجالسهم.
الباب الخامس: في حسن الثناء ووضع القبول لهم في الأرض.
الباب السادس: في إثبات أحوالهم.
الباب السابع: في إثبات كرامتهم ويشتمل على جملة فصول( ).
ومقدمة ابن الزيات هذه، وأبوابها تعتبر في غاية الأهمية، إذ غالبا ما تتحدث عن مفاهيم التصوف وتدافع عن سنية مشربه الصوفي في المجتمع المغربي، والتمكين له عن طريق سرد مناقب صلحاء المغرب بأسلوب كرامي.
فابن الزيات لم يتخلى في مقدمته هذه، عن أهم عنصر بنيوي مكون لأدبيات مشروعية السرد الأسطوري الكرامي المعهود في التراب المنقبي المغربي القديم، وهو الاستدلال المألوف بكلام المتكلمين الأشاعرة في تجويز الكرامات، والذي نجده بكثرة في الباب السابع من "التشوف".
فالكتاب إذن كتاب تاريخ وتصوف وسيرة في أصله، حيث يقول مؤلفه:
"وجردت هذا الكتاب من علوم التصوف، واقتصرت على إيراد أخبار الرجال. فإن إحياء علوم الدين، للإمام أبي حامد محمد بن محمد الطوسي الغزالي رضي الله عنه، هو المنتهى في ذلك، وقد ذكرت من فضائل الإحياء في أثناء ذكر الرجال الأكابر، ما ستقف عليه إن شاء الله تعالى ..."( ).
"... على أن الكتابة الصوفية أنواع متعددة، منها كتب طبقات الصوفية، والشعر التعليمي الصوفي، والرجز الصوفي، والشعر الذي قيل في غرض التصوف، والكتب التعليمية الصوفية، والمؤلف الصوفي الذي يجمع بين دفتيه غالب أنواع الثقافة العربية، وكأنه من كتب الأدب العام.
ومعنى هذا، أن ليس هناك كتابة صوفية صرفة، إذ منها ما يشترك مع التاريخ، ومنها ما يتداخل مع الشعر، ومنها ما يظن القارئ غير المطلع أنه كتاب للأدب. وهكذا فالتداخل يقع كثيرا بين نوعين أدبيين أو أنواع ضمن مؤلف واحد ..."( ).
فنحن سنتعامل مع نص تاريخي محض، أي نص أسطوري محض، فنحن نعلم أن "في البدء كانت الأسطورة، بل كانت قبل العلم والتاريخ. بل من الأسطورة كان التاريخ، ولاشك عندنا في أن المسطر، أي كاتب الأساطير ومقيدها وحاكيها، هو المؤرخ. بل كثيرا ما يكون المؤرخ مسطرا، والمسطر مؤرخا( ).
ومن المعلوم أن "المناقب ليست نصوصا أدبية فقط، وإنما هي تقع على الحافة، بين ما هو تاريخي وما هو أدبي وما هو مقدس، فهو نص لغوي سردي ذو صبغة أدبية، من جهة، وضرب من الاعتقاد الديني من جهة، وتاريخ سيري اجتماعي من جهة أخرى، ولكن يمكن القول، إن انتماءها إلى المقدس هو أقوى هذه الانتماءات. فهو الأصل الذي من أجله حاز النص صفة الكرامة، وهو الذي حقق لنص المنقبة تميزه عن باقي النصوص( ).
وهذا التاريخ الأسطوري ظهر بتلاوين عدة ابتداء بسلوك، ومرورا بعلم، وانتهاء بأدب ونقد في العصر الحديث، وهذا الأخير الذي سنتصدى له في هذه الدراسة.
بناء على ما سبق، سأشرع في رصد معالم معجم نقدي مستعمل، وموظف في كتاب "التشوف إلى رجال التصوف" لابن الزيات التادلي، وقد جاءت على النحو الآتي:
إن كل المادة الاصطلاحية النقدية فيه، ترتد إلى أربعة أشياء:
ا- معجم واصف للنص الأدبي.
ب- معجم واصف للمتلقي في علاقته في النص.
ت- معجم واصف لعملية تحمل النص وروايته.
ث- معجم واصف لعملية التقييد( ).
وقد عمد المؤلف من خلال هذه المادة الاصطلاحية النقدية، على اكتشاف مجموعة من الأشياء، في خصوص "أخبار أبي العباس السبتي"، من حيث هو نص أدبي( ).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق