السبت، 7 ديسمبر 2019

الرؤية الواقعية في قصة الكاتب جمال فتحي (اعتياد)


دراسة نقدية
بقلم / أيمن دراوشة

النص:

اعتياد

نظر إلى السماء فوجد طيورا خضر ..تحملن قناديل من ذهب ..وتلبسن تيجانا من ألماس ..يرى ابتسامتهن ..يسمع ألحان أنشودتهن العذبة ويستنشق هواءهن ينظر إلى الأرض فيجد أناسا عراة .. مقيدون بسلاسل من حديد.. مربوطون بحبل واحد ..يجرهم حمار أعمى ..من خلفهم أسود جائعة تفترس من يفك القيد..بجانبهم رجل يمتطى حصانا بعين واحدة.. يمسك بيده سوطا ..يجلد كل من ينظر إلى السماء..السوط يحفر على أجسادهم تواريخ الذل والحرمان..دموعهم ودماءهم تنبت حنظلا..نزل إليهم حارب الفارس وجندله ..فك قيودهم صرخ فيهم..

تحركوا وانطلقوا ..جاءتكم الحرية
أعطوه الحبل حتى يجرهم , رفض ..يئس منهم وصعد الجبل . نظر إلى السماء من جديد ..فإذا بهم عادوا مقيدين بالسلاسل ..بلا أسود خلفهم ..ولا فارس بجوارهم ..ولا حمار يقودهم. .

القراءة المختصرة..

اعتياد قصة قصيرة اتخذت نموذجاً للإيقاع السيمفوني الحزين الحافل بالظلم والقهر والعبودية ، كان هذا كفيلاً بأن يجعل هذه القصة تتسم بالحيوية وتتلون بطابع الموقف الشعوري .. الصور لديك من الصور الصعبة المركبة ، وهي صور جديدة لم نعتدها في هكذا نوعية من القصص القصيرة جدا .. لقد تنامت الاحداث شيئا فشيئاً حتى بلغت الذروة التي تمثلت بالفارس المنقذ .. ويبدو أن هؤلاء العبيد المقهورين ، قد رفضوا المساعدة لاعتيادهم على الظلم والهوان ، إلأ أن قيدهم أصبح باختيارهم في النهاية..
رؤية القاص واضحة في لجة الهزيمة والانكسار والظلم .. وفي وسط مساحات الخرائب والهزائم والإحباطات ، وهي تتحرك في مدار مأساوي فأصبحت نزيفاً دائماً ، وبكائية متصلة ، ومخيلة رمادية ، والواقع هو انكسار وفجيعة وتخاذل وانحطاط وضياع ، إننا نعيش في مخاض طويل مؤلم ساحق..
المأساة إذن تركيب فجائعي بين الرؤيا والواقع ، وقد كان بالإمكان تجاوز هذا الواقع إلا أن تركيبه الدرامي مع الرؤيا جعله جدار صعب التجاوز والتخطي...
لقد جسَّد القاص قضيته بطابع جمالي مذهل ، وفي إطار فني خرج منه إلى الانفعال المباشر ، والرمز عند القاص ليس غموضاً أو لغزا مبهماً ، كما أنه ليس مباشرة وتقريرية ، فهو كشمعة تستضيء به في عالمه المظلم البعيد .. وكأداه تساعد على الاجتهاد في الغوص في تجربته لفريدة هاذه .. وهو غشاء رقسق ، ومسحة جمالية تغطي عالماً قصصياً رائعاً...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق