
كتب : حازم إسماعيل السيد
قد يصادفُ الإنسانَ شخصًا يحبُّه يعايش معه قصة َحبٍ يحيا بها ولها، وقد يمضي قطارُ الحبِّ فلا يقفُ في محطتِه!
جمع بينهما محيط العمل..
لم يكنْ لديه قلبٌ متفتحٌ يستقبلُ به إشاراتِ الحبِّ، فقد أذبلته همومُ تجربةٍ خلَّفتْ في قلبِه جرحًا غائرًا، ما يفتئ دمُّه أن يرقأ حتى يعاودَ النزيف..
ثم أسلمَ أمرَه لله فوجدَ في اللجوءِ إليه الأنسَ والسلوى، ومَنَّ اللهُ عليه.. وهبَه ما يبحث ُعنه طوال عمره..
أخيرًا وجدَ الحبُّ الحقيقي طريقـَه إلى قلبه..
وكأنَّما يراها لأولِ مرة..
رآها كالحياةِ نابضةٍ.. تفيضُ عذوبةً ورقة ً..
تتكلمُ فيُرهِفُ لها الكونَ منصتًا، وتشرقُ قسماتُ وجهِها بابتسامتها فتكسِفَ الشمسُ ويتوارى البدرُ خجلاً، وتمسحُ بيدها في حنان فتُهمِي كسحاباتِ مترعةٍ بالخير، فتُحِيلَ القفارَ رياضـًا وبساتينَ..
رأى فيها الحياة َمفعمةً بالنضارةٍ تسعى إليه مُصَالحة ًبعدَ خصام..
ترك لقلبه العنانَ.. يحلـُمُ بقصةِ حبٍّ متوهجةٍ تجمعُ بينهما..
لم تصرِّحْ بحبِّها له، لكن كم باحتْ بحبها عيناها تفضحُها خائنتِهما تختلسُ نظراتٍ إليه..
أخيرًا.. يخلو المكانُ عليهما..
يغلِقُ كلٌّ منهما عالمَه على حبيبه فلا يرى في الكون سواه..
يتخلى عن خجله.. كادَ يخبرُها بحبه، لكنه تردد..
منعـه خجلـُه، وحجابٌ من الحياء أُسدلتْ أستارُه على وجنتيها فزادتها حمرةُ الخجل إشراقًا..
ازدادَ تصميمًا على قهر خجله.. لم يشـأ ليضيِّعَ الفرصة..
كانت تمسـكُ بين يـديهـا كتابًا بين دفتيه أشعارًا لشاعرها الأثير..
تبادلا الحديثَ عن شعرِ الغزلِ وتجاربِ الشعراءِ..
عثرَ أخيرًا على مِفتاحًا يقتحمُ به حصونَ صمتِها..
انتهى الوقتُ سريعًا..
انصرفَ الحبيبان كلٌّ تترنمُ في آذانِه نغماتُ صوتِ حبيبه..
ومع نسماتِ المساءِ انطلقَ نحو قلمِه في لقاءِ الحبيب الغائب مصالحًا، فنسي القلمُ ما دارَ بينهما من هجر فأذعنَ له، وما إن انتظمَ بين أصابعِه حتى انسابَ بين يديه يلتقطُ إشاراتِ أفكاره التي تتوقدُ في ذهنِه لتوه..
جرى القلمُ بمدادِ روحِه، ووحي حبيبه..
كتبَ ما لمْ يكتبْ في حياته..
تخيلها بوجهها الصبوح وعينيها الحنونتين تتطلَّعُ إليه.. تغوصُ أسهمُ نظراتِهما في أعماقه.. يتغنَّى لها بكلماته المعبرة.. تنفذ ُإلى أعماق مشاعرها..
قرأ القصيدة مرارًا.. لم تكن بحاجةٍ إلى تنقيح.. كانت كالنبتةِ الريانةِ، والثمرةِ الناضجةِ، بل كالنسر المنطلق يضربُ بجناحيه الهواء معافرًا..
مرَّ الليلُ عليه متثاقل الخطوات..
أخيرًا تراخت قبضته الخانقة ليتسلل نورُ الصباح..
انطلقَ إلى عمله قبل أن يأتي زملاؤه..
كان مكتبها خاليًا، لكنَّ روحَها َالمشعةَ كانت تنبعث ُمنه..
أقبلت الحبيبة.. استقبلها بابتسامة..
وبنبراته الهادئة غزتْ كلماتـُه قلبَها..
أخبرها أنه كتبَ قصيدةً، وأوحى إليها أنَّها سرُ إلهامه..
أقبل الزملاء.. فانصرفت عنه..
عادت تسأله عن القصيدة، تريدُها..
أخذتها.. طوتها بين يديها.. تُمَنِّي النفسَ بما فيها..
انتهت ساعات العمل فانصرفت..
ولجتْ حجرتـَها، وأغلقت بابها عليها.. ارتمت على أول مقعدٍ.. قرأتها بيتًا بيتًا.. كلمةً كلمةً.. زادها نهمًا ما قرأت، فأعادت قراءتها مرارًا..
تعلَّقَ خيالـُها بآخر بيتٍ في قصيدتِه:
- "قولي أحبُّكِ !!"..
نظرت في المرآةِ وكأنما ترى ملامحَها بعيون حبيبها الذي صارَ شاعرها الأثير..
أجابته شفتاها:
- "أُحِبُّكَ!!"..
حدَّثتْ بها نفسَها.. تحركتْ شفتاها بحروفِها.. كالطير الحبيس ينهضُ.. ينفِضُ جَناحيه.. يجاهد ليحلقَ في الفضاء..
علا صوتـُها..
احتضنتْ القصيدةَ.. ضمتها إلى صدرها..
مرَّ الليلُ عليها بطيئًا..
وفي الصباح مضتْ في طريقها تصارعُ أفكارَها.. أتكاشفه بحبها؟!أم يقهرها الخجلُ؟!
رآها.. تطلعَ في عينيها..
نظرتْ إليه برقةٍ..
بادرتْ تسألـُه أن يقرأ آخرَ أبياتِ قصيدتِه التي كانتْ تحتضنُ طلبَه..
- "..قولي أحبُّك!!"
لم يتحدَّثْ، بل تحدَّث الكونُ من حولِهما..
استمعا سويًا إلى الكون كلِّه.. ينطقُ بحبهما الكبير..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق