تتسكع الأسماك حول سنارتي فى حذر، أتوسم أن يتعلق في طرفها أمل جديد، مرة تطيعني فأسحبها بسمكتها، ومرات أراودها فتغلق فمها وتستعصم، قطعة فلين حالت دون وصول سنارتي لقاع اللؤلؤ، تحت قارب متهالك فى حضن النهر المكتنز بالأغصان.
عمى (السيد عبدالسلام) اكتفى من الصيد، لملم شبكته، يدندن بلحن قديم معروف سلفاً، دس ما رزقه الله في بطن القارب، وتركني أتصيد الأسماك الهاربة منه، للصيد متعة وإن لم تصطد شيئاً.
استراح على مصلى من القش، يوقد أعواد الحطب على زاوية منها، يدفيء شتات المكان، يصنع شاي الخامسة بعناية، قَدّمَهُ لعروس النيل ذات العيون الزرقاء ووصيفتها التي مرت صدفة للتنزه، بين أنسام الشهيق داعب حُسنها غصون النهر، قبلت دعوته دون تردد، فحين يتغزل الصياد بشبكته يتهادى إليه الصيد الثمين.
بين رقة النسائم وغفوة القيلولة تعزف مزامير العصاري لحن الحياة، وعلى غصون شجرة التوت تعزف العصافير همسات الغروب.
أنجبت مولودها، تركوها على جبين النهر كطفل على صدر أمه، يحملها لمصير مجهول، ما زالت الروح تسرى فى أوصالها، رغم العُري لا تشعر بالخزي أو العار، الحياة حولها شاحبة غير عابئة بها ولا مسعفة لها، فى عرض النهر يسبح الصِبية متحاملين على جسدها المُشبّع بالماء، المائل للحُمرة، سنبلات يابسات يعبثن بسنبلة خضراء، سلب الأثرياء روحها فتجرأت أسماك النهر على اللهو تحت خصرها، وقبل أن يلقوها فى النهر كانت تزين ضفته، كأميرة تشرق الشمس من وجنتيها، الكل يشتهى أن تلامس شفاهه إصبعاً من أصابعها الممتلئة، وهي فى مملكتها تتمايل مع النسمات كالسنابل حين تكتمل حباتها.
رميت السنارة مرة أخرى بالقرب منها فاقتربت أكثر، متهالكة لا تدفيء قلباً ولا تروي جسداً، النبض البطيء في أعضاءها يحول بينها وبين شبح الموت الذي ترجوه أن ينزع ما تبقى فيها من حياة.
الصيد على إحدى ضفاف أفرع نهر النيل فى منطقة مُغذي السبع شمال قريتنا (ميت حديد) بين العصر والمغرب، بين الجندل والشادوف، بين الكافور والجزورينا، يُلبِس الأشجان ثوب الحياة، ويعيد لليتيم دفء الأحبة.
الأشجار تتهادى تريد التهامها، تُحدق في تفاصيلها بنهم، وأنا أتظاهر بغض الطرف، تقترب منى، منهكة دون وعي، كغزال طاردته الأسود ماراً بكل الفصول، تعرت على صفحة الماء فسقطت عفتها.
رميت سنارتي بهدوء النسمات على الغصون بينها وبين القارب الغافل عند حافة النهر.
جرفها التيار فاقتربت أكثر، طاف بخيالي إنتشالها، ثم أخذتنى العزة بعصيان مايدور فى رأسي، ركلتها بعنف لم يكن من شيمتي بين مخالب الغربة وأنياب الوحشة، لتعاود السباحة فى مجرى النهر تتدثر بالغيم لتسبق رفيقاتها اللائى هلت بشائرهن من بعيد يزفهن الطير.
وعند المصب، يتربص البحر بفريسته شاغراً جوفه الذي لا يشبع، يُشيَعُ النهر لمثواه الأخير مندساً وسط ملوحة البحر متدثراً بمرج البحر، خارت قواه بعد سقوطه الحُر من مرتفعات الحبشة، دون أن تدمى قدميه، ناخ النهر فى مَبَارِك البحر، وانتشلوا شجرة الموز جثة هامدة !!!
...................................................
كلمة مغذي تعنى هدارة أو هاويس يتحكم فى تحويل المياة من مستوى أعلى إلى أقل
قصة قصيرة -
مُغَذى السبع - بقلم/ مجدي شعيشع
مصري مقيم فى الكويت
———

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق