الأحد، 8 يونيو 2014

ثورة مبتورة

رواية ذاكرة الجسد أنشودة حب معزوفة  علي أوتار ثورة
"ذاكرة الجسد" في طبعه حصريه في ذكرى 20 عاما مضت على النسخة الأولى.
 اقلب الرواية كعادتي لأقرأ الغلاف الخلفي إنه تعليق نزار قباني علي الرواية يستوقفني تعليقه فأقرأه كاملا، لقد قرأ الرواية في لندن هكذا يبدو من توقيعه ، ثم كعادتي افتح الصفحة الأولى تحمل إهداء لكاتب جزائري((مالك حداد)) مشيرا إلي كونها ستستعير بطل روايته ((رصيف الأزهار لم يعد يجيب)) لتنطقه بالعربية لعلها بذلك تعزي " كاتب قرر أن يموت صمتا وقهرا وعشقا للغته العربية " ، في ملحمة أدبية تبدي ما لحق أدباء ومفكري المغرب العربي من قهر فكري ولغوي .
 تدور في رأسي بعض عبارات  أحلام  مع سؤال كيف لم أقرأ لها من قبل؟!!
 لا أجد أجابه .
 اقلب صفحات الرواية وصولا للصفحة الأخيرة - أحب قراءتها أولا - ، إن مدى جاذبية  السطر الأخير تجعلني أتشوق لقراءة الكتاب بحثا عن تفسيرا لها  .
 ما هذا إن أحلام تمهر إمضائها بكلمة باريس!
 أحلام في باريس تكتب رواية  يعاد طبعها عشرون عاما و نزار يلتقي بها في لندن ويقدم لها !
 هل فشلت دولنا العربية منذ زمن علي أن تكون أرضا للإلهام ؟
هل نحتاج للسفر بأجسادنا حتى تتحرر الأرواح من قيود مجتمعاتنا فنبدع ؟!
 هل هي ظروف الحرب والاحتلال لا يتحملها الفنان المرهف فيهفو إلي دول أوربا يبحث عن الهدوء ؟!
 أم أن الغربة تبث دفعات من الحنين والشجن يلهب الإبداع فيخرج أفضل ما يحمل الكاتب ؟!

استطاعت أحلام  في روايتها "ذاكرة الجسد" التأريخ لثورة الجزائر (1954) في خليط رائع بين قصة حب مبتورة ، وسيرة ذاتية لفنان تشكيلي مبتور اليد !

اختارت شخوصها بعناية شديدة وتناغم ، فها هي البطلة كاتبة صاعده  مع فنان تشكيلي حمل إعاقته وسام على صدره يشع نورا يكسر وقاحة  عيون من خانوا   الثورة طمعا في منصب أو مال ،وشاعر يستشهد من اجل وطنه  ، يتلاحمون معا في قصة عشق ثلاثية يفصل فيها الموت ثم يتدخل الغدر ليضع كلمة النهاية .

وعلى خط متوازي تجد الجزائر عشقا مجروح في قلب أحلام تحمله لبطلها الذي يتفانى في وصف قسطنطينة – مدينة الجسور – يهيم حنينا ويمنعه الكبرياء، يرى وطنه أما واراها الثرى وحبيبه اختارت أن يكون الوطن  نقطه الفراق ، وأخا عرف الرضا حتى وصل حد الخنوع وقتلت آماله  و أحلامه حتى بات اقتناء سيارة غاية المنى، ولم يسلم بل اغتالته أيدي الغدر في أحداث لم يفكر يوما أن يكون طرفا فيها  ليرقد شهيدا لأحداث دون أن يدري لما قتل .

 لا يمكن أن تقرأ الرواية دون أن يدفعك الفضول لرؤية  " قسطنطينة" -ولن تندم فهي مدينة عريقة جميلة آسرة -أبحث عن صورها بعد إنهاء الرواية لكي لا تضع حدا لخيالك –.
تأخذنا  في مشاهد متقطعة مكثفة إلى دائرة النضال والاستشهاد في إحياء ذكرى رجال صدقوا الوطن ما عاهدوه عليه ، ثم تأخذنا إلي طريق آخر حين يبيع الثائر ثورته بمال أو أمجاد زائفة أو منصب  ، ليتحول إلي فساد يستدعي ثورة جديدة .

  تستدعي فيك مشاهد ثوراتنا العربية المعاصرة – الربيع العربي – تدق ناقوسا يذكرنا أن العرب شعب واحد بمرجعيات متشابه حد التطابق في بعض صفحاتها ، مصير واحد وكفاح واحد وإخفاقات واحده.

تصف لنا ثوراتنا العربية ، ما خرجت من أجله ، وما آلت إليه ، بما يسمح  بالتنبؤ بمستقبل  ثوراتنا المعاصرة  التي تسير خطوات ثابتة إلى طريق إن انطلقنا في البحث عن نهايته  من مقولة  "التاريخ يعيد أحداثة "، سنجد أننا نقدم للتاريخ نفس المقدمات فهل يفاجئنا بنتائج جديدة أم سيكتفي بإعادة نفس النتيجة لنلقي بها في وجه جيل جديد نطالبه بتولي مهام كفاح فشلنا فيه من قبل نحن وآبائنا ؟؟!!

وفي  خلطة سحرية زوجت السلطة بالمال -على أنقاض ثورة مهلهله-  في شخص البطلة التي رأيتها رمزا للمستقبل ، ابنة زعيم  الثوار شهيد الوطن تتخلى عن حب المناضل الثائر لإرضاء السلطة متمثلة في عمها ذلك الثائر الذي باع ثورته نظير الوزارة وزوجها لثري ذو تاريخ غير مشرف ، فأي مستقبل ننتظر للوطن.

تتمتع أحلام بقدرة على جذب القارئ برقة وحشية  و جمل وعبارات  ذات تراكيب غريبة لا تملك سوى إعادة قراءتها مرات ومرات  حتى تدرك معانيها العميقة وتستمتع بجمال صياغتها .


رواية ذاكرة الجسد أنشودة حب معزوفة  علي أوتار ثورة


انجي أحمد ربيع 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق