الصفحات

الخميس، 26 يونيو 2014

صفحات من تاريخنا الأسلامي

غزا المسلمين في أيام معاوية , فأسر جماعة منهم , فوقفوا بين يدي ملك الروم بقسطنطينية , فتكلم بعض أساري المسلمين , فدنا منه بعض البطارقة ( رئيس الأساقف ) ,ممن كان واقفا بين يدي الملك فلطم حر وجهه , وكان رجلا من قريش فصاح : وا إسلاماه أين أنت عنا يا معاوية إذ أهملتنا وأضعت ثغورنا و حكمت العدو في دمائنا و أعراضنا ,فنمي ذلك الخبر إلي معاوية , فآلمه وامتنع من لذبذ الطعام و الشراب , فخلا بنفسه, وامتنع عن الناس, ولم يظهر ذلك لأحد من المخلوقين, ثم أعمل الحيلة في أقامة الفداء بين المسلمين و الروم, إلي أن فدي ذلك الرجل ومن أسر معه من المسلمين, فلما صار الرجل إلي دار الأسلام, دعاه معاوية فبره وأحسن إليه, ثم قال له: لم نهملك, ولم نضيعك, ولا أبحنا دمك وعرضك . ومعاوية أثناء ذلك يدبر الرأي ويعمل الحيلة ثم بعث إلي رجل من ساحل دمشق من مدينة صور, وكان عارفا, كثير الغزوات في البحر, صمكا ( القوي الشديد ) من الرجال, مرطانا بالرومية, فأحضره وخلا به, وأخبره بما قد عزم عليه وسأله إعمال الحيلة فيه, و التأني له , فتوافقا علي أن يدفع للرجل مالا عظيما, ليبتاع به أنواع من الطرف و الملح و الجهاز من الطيب و الجوهر وغير ذلك, وأنشأ له مركبا لا يلحق في جريه سرعة, ولا يدرك في سيره إنشاء عجيبا, فسار الرجل حتي أتي مدينة قبرص فاتصل برئيسها واخبره أن معه حاجه للملك, وأنه يريد التجارة إلي القسطنطينية, قاصدا إلي الملك وخواصه بذلك فراسل الملك بشأنه, فأذن له, فدخل خليج القسطنطينية , فلما وصلها أهدي للملك وجميع بطارقته, وبايعهم وشارهم, وقصدهم, إلا ذلك البطريق الذي لطم القرشي, وتأني الصوري من الأمور علي حسب ما رسمها له معاوية, وأقبل الرجل من القسطنطينية إلي الشام, وقد أمره أكثر البطارقة أن يبتاع حوائج ذكروها, وانواع من الأمتعة وصفوها, فلما صار إلي الشام سار إلي معاوية سرا, وذكر له من الأمور ما جري فابتيع له ما طلب منه وما علم أن رغبتهم فيه, وتقدم إليه معاوية فقال: إن ذلك البطريق إذا عدت في كرتك هذه سيعذلك عن تخلفك عن بره, واستعانتك به, فاعتزر إليه ولاطفه بالقول والهدايا, واجعله القيم بأمرك, والمتفقد لأحوالك تزداد عندهم, فإذا أيقنت جميع ما أمرتك به, وعلمت ما عرض البطريق وما الذي يأمرك بابتياعه فعد به إلينا لتكون الحيلة علي حسبه . فلما رجع الصوري إلي القسطنطينية ومعه جميع ما طلب منه و الزيادة مما لم يطلب زادت منزلته, وارتفعت أحواله عند الملك و البطارقه وسائر الحاشية, فلما كان في بعض الأيام وهو يريد الدخول إلي الملك, قبض عليه ذلك البطريق في دار الملك, وقال له: ماذنبي إليك ؟ وبم استحق غيري أن تقصده, وتقضي حوائجه وتعرض عني, قال الصوري: أكثر من ذكرت ابتدأني و أنا رجل غريب, وأرحل إلي هذا البلد كالمتنكر من أساري المسلمين وجواسيسهم, لئلا ينموا خبري ويوشوا بأمري إلي المسلمين فيكون في ذلك بواري, والآن فإذا قد علمت ميلك إلي فلست أحب أن يعتني بأمري سوال, ولا يقوم بحالي عند الملك غيره غيرك, فمرني بحوئجك وجميع ما يعرض من أمورك بأرض الإسلام, وأهدي إلي ذلك البطريق هدية حسنة من الزجاج المخروط و الطيب و الجوهر و الطرف و الثياب . ولم يزل هذا فعله, يتردد من الروم إلي معاوية ومن معاوية إلي الروم, ويسأله الملك و البطريق وغيره من البطارقة الحوائج الجليلة, و الحيلة لا تتوجه إلي معاوية, حتي مضي علي ذلك سنين, فلما كان في بعضها قال البطريق للصوري , وقد أراد الخروج إلي دار الإسلام قد اشتهيت أن تعمدني بقضاء حاجة, وتمن بها علي, وهي أن تبتاع لي بساط سوسنجرد بمخداه ووسائده ويكون فيه من أنواع الألوان الحمرة و الزرقة و غيرها, ويكون من صفة كذا وكذا, ولو بما بلغ ثمنه كل مبلغ, فأنعم له بذلك. وكان من شأن الصوري أن يكون مركبه إذا ورد القسطنطينية بالقرب من موضع ذلك البطريق, وكان للبطريق ضيعة سرية, وفيها قصر مشيد, ومنتزه حسن علي أميال من القسطنطينية, راكبه علي الخليج, وكان البطريق أكثر أوقاته في ذلك المنتزه وكانت الضيعة فيما بين قسم الخليج ومن يلي بحر الروم و القسطنطينية, فانصرف الصوري إلي معاوية سرا, فأخبره بالحال فأحضر معاوية بساطا بوسائد ومخاد ومجلس حسن, فانصرف به مع جميع ما طلب منه من أرض الإسلام, وقد تقدم إليه معاوية بالحيلة, وكيفية إيقاعها . وكان الصوري فيما مضي من هذه المدة قد صار كأحدهم في المؤانسة و العشرة, فلما دخل من البحر إلي خليج القسطنطينية, وقد طاب له الريح, وقرب من ضيعة البطريق, وأخذ الصوري أخبار البطريق من أصحاب القوارب و المراكب, فأخبره أن البطريق في ضيعته, وذلك أن الخليج طوله نحو ثلثمائة وخمسين ميلا, و الضياع و العمائر علي حافتيه, و المراكب تختلف, و القوارب بأنواع المتاع و الأقوات إلي القسطنطينية من هذه العمائر لا تحصي كثرة, فلما علم الصوري ان البطريق في ضيعته فرش البساط ونضد ذلك الصدر و المجلس بالوسائد و المخاد في صحن المركب ومجلسه, و الرجال تحت المجلس بأيديهم المقاذيق مشكلة قائمة غير قاذفين بها, ولا يعلم بهم أنهم في بطن المركب إلا من ظهر منهم في عمله و الريح في القلع, و المركب مار في الخليج كأنه سهم خرج عن كبد قوس لا يستطيع القائم علي الشط أن يملأ بصره منه لسرعتة سيره واستقامتة في جريه, فأشرفه علي قصر البطريق, وهو جالس في مستشرفه مع حرمه, وقد أخذت منه الخمر, وعلاه الطرب, وذهب به الفرح و السرور كل مذهب, فلما رأي البطريق مركب الصوري زعق طربا, وصاح فرحا وسرورا و ابتهاجا بقدومه, فدنا من أسفل القصر فحط القلع, وأشرف البطريق علي المركب فنظر إلي ما فيه من حسن ذلك البساط, ونظم تلك الفرش, كأنه رياض يزهر, فلما استقر قدمه علي المركب, ودنا من المجلس, وضرب الصوري بعقبه علي من تحت البساط وكانت علامة بينه و بين الرجال الذين في بطن المركب, فلما استقر دقه في المركب بقدمه, حتي اختطف المركب, بالمقاذيف, وإذا هو وسط الخليج يطلب البحر لا يلوي علي شئ . و ارتفع الصوت ولم بدر ما الخبر لمعالجه الأمر, فلم يكن يكن الليل حتي خرج عن الخليج وتوسط البحر, وقد أوثق البطريق كتافا, وطابت له الريح, وأسعده الجد, وحمله المقدار في ذلك اللج, فتعلق في اليوم السابع بساحل الشام, ورأي البر وحمل الرجل فكان في اليوم الثالث عشر مأسورا بين يدي معاوية فسر بذلك معاوية, وقال: علي بالرجل القرشي , فأتي به وقد حضره خواض الناس, فأخذوا مجالسهم, وغص المجلس بأهله, فقال معاوية للقرشي: قم فاقتص من هذا البطريق الذي لطم وجهك علي بساط معظم الروم, فإنا لم نضيعك ولا أبحنا دمك ولا عرضك, فقام القرشي فدنا من البطريق, فقال معاوية: انظر لا تعدي ماجري عليك, واقتص منه علي حسب ما صنع بك ولا تعتد, وارع ما أوجب الله عليك من المماثلة, فلطمه القرشي لطمات ووكزه في حلقه, ثم أكب القرشي علي يدي معاوية و أطرافه يقبلها, وقال: ما ضاع من سودك, ولا خاب فبك من رأسك, انت ملك لا يستضام تمنع حماك, وتصون رعيتك وأرق في وصفه ودعائه. وأحسن معاوية إلي البطريق, وخلع عليه وبره, وحمل معه البساط, وأضاف إلي ذلك أشاء كثيرة وهدايا إلي الملك, وقال له: ارجع إلي ملكك, وقل له: تركت ملك المسلمين يقيم الحدود علي بساطك, ويقتص لرعيته في دار مملكتك وسلطانك وعزك, وقال للصوري: سر معه حتي تأتي الخليج فتطرحه فيه ومن أسر معه ممن كان بادر فصعد إلي المركب من غلمان البطريق وخاصته, فحملوا إلي صور مكرمين, وحمل الجميع في المركب, وطابت لهم الريح, فكانوا في اليوم الحادي عشر متعلقين بأرض الروم فقربوا من الخليج, فإذا قد أحكم فمه بالسلاسل و الأمتعه وتباشرت الروم بقدومه, تلقوه مهنئين له بالخلاص من الأسر , فكافأ الملك معاوية علي ما كان من فعله في أمر البطريق و الهدايا, فلم يكن يستضان أسير من المسلمين في أيامه, وقال الملك: هذا أدهي العرب و أمكر الملوك, ولهذا قدمته العرب عليها, فأساس أمورها, ولو هم بأخذي لتمت له الحيلة علي
تقرير محمد منصف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق