الصفحات

الأربعاء، 25 يونيو 2014

المسرح بقلم د إيمان الدواخلي

أدور وأدور وأدور.. أشعر بخدر وغياب عن كل الضجيج، حتى صوت الموسيقى. أروع ما في الرقص هذا الوصول؛ أنتشي به أكثر من نشوتي في ذروة الجنس. عيناي المغمضتان وقوة الطرد المركزي مع سرعة دوراني يعطياني الإحساس بأنني بدأت أرتفع، وتفقد أطراف أصابعي الإحساس بالصلب الذي تدور فوقه. في هذه الحالة يجب ألا يتغير الإيقاع والنغم، بل يظل يتكرر ويتكرر كي لا يجذب التغيير الانتباه، فيسرق الراقص المجذوب من نشوته، ويزول مغناطيس سحره لجمهور فوَّضه لتغييبه معه.. وويل له إن أفسد الليلة على من أتوها بشوق المستفيق لجرعة الخدر. ينتهي الوقت، وما أسرعه، ويتغير الإيقاع نحو الهدوء، فأنتبه وأفتح عيني متجولا في لهاث المتفرجين متصوفي الجسد وتصفيقهم وتهليلهم. نخرج من على المسرح إلى الكواليس، فنقابل في خروجنا الفرقة التالية تدخل إليه. أحدهم يحمل علم بلادهم، التي كانت يومًا بلدي، قبل هروبي من التهديد، عندما أسررت لرفيقي أني لا أحترم السيف المشهر على العلم بلا كرامة. أخرجني لقاؤهم من سكرة النجاح وحملني إلى عمر بئيس أحاول تعويضه في مهجري. الفقر حليفي، والفن جنوني، والتنورة ودوارها مفتاح بقائي، بلا شوق إلى ديوانية ورفقاء وعيش رغد. خانني الرفقاء ووشوا بي إلى أولئك المعاتيه الظانين أنهم حراس الدين. أرسلت إلى خارجها بلا سند، والأهل يعاقبونني كي لا يُعاقَبوا بي. ألا بئس الحياة المشدودة بين مسماري الثواب والعقاب. فلتكن الحياة تحت التنورة في حارات الفقر تحديًا لدعوة الحرية، ولأكن بقدر التحدي. أعود للحظتي مع النداء للتحية الجماعية لكل الفرق المشاركة. إفريقيات وهنديات تتعرين وتتلوى أجسادهن، ومصريات بدينات يجتهدن في الهز ولفت النظر ببريق الـ (ترتر). كل الأعلام تتجاور فوق هذا الهلس، ولا حرج. ألمح العلم يحمل الشعار المقدس يرتفع في المشهد حاضرا كل ذلك التهتك، فأضحك.. أضحك.. أضحك.. يلكزني المجاورون لأسكت، فأبدأ في الدوران، فيوسِّعوا لي ويوسِّعوا.. أقترب من العلم الأخضر أكثر وأكثر.. أدور وأدور أسرع.. وأفتح عيني أكاد أطلقهما سيفين كلما واجهت سيفه.. وأشد يديّ عن آخرهما أمامي. تقف الموسيقى فجأة.. تسقط عني نشوتي ودَفعتي.. الجمهور والفرق كلهم يصفقون، بينما أنظر إلى غريمي في انهزام!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق