((البطولة
للرسائل ))
يستوقفني وجه ملائكي شبيه بالتماثيل اليونانية القديمة تذكرني بأجواء
سكندريه مع اسم يوسف زيدان ، يوسف زيدان يمثل لي مغناطيس جاذب ، كتاب من القطع
الصغير قليل الصفحات يبهرني اسمه "ظل
الأفعى" يثير في نفسي مشاعر الاندهاش وتثير في عقلي الكثير من الأسئلة .
في خلفيه الكتاب كلمات مديح طويلة
لم يستوقفني منها سوى ((يوسف زيدان في روايته الأولى ))!
لقد قرأت لزيدان جميع رواياته حتى الأخيرة ! كيف لم اقرأها من
قبل؟!
رواية قصيرة جدا ،
أقصر ما قرأت ليوسف زيدان ، تطل عليك منها روح أنثوية قوية حتى تكاد تجزم أنها
نتاج أنثى معتدةٌ بأنوثتها لا محالة ، إلا أن لغة زيدان لا يخطئها قارئه .
الزمان ليلة واحدة
المكان منزل واحد
((الأبطال : بطل واحد
وبطله واحده وما لا يزيد عن أربعة شخصيات
كل منها لم يحتل أكثر من صفحتين )) ولكن البطل الحقيقي ليس أي منهم ؟!
زوج وزوجة وأم
غائبة منذ سنين طويلة ، عاد حضورها برسائل عجيبة
، هي بطل الرواية الحقيقة ، نعم إن البطولة للرسائل !
هي روايته الأولى
غير أنها تخفي كونها الأولى خلف دقه وجمال وحبكة خبير .
يأخذك زيدان بأسلوبه شديد التفصيل إلى موقع الحدث، يصف لك المنزل حتى تراه ،يفتح عينيك إلي بطله وبطلته
حتى يتجسدان أمامك شكلا وفكرا ، يسرقك مع خيوط البخور فتشمه حتى تثمل من عبقه مع
أبطال الرواية ، ثم يركض بك في طريق الشهوة حتى تصل إلي لحظة حاسمة يشدهك فيها بمعان عقلية فلسفية لا تجد للشهوة معها مكان، يغلفها
لك بمشاعر إنسانية تضطرك للغوص في روح
بطلة الرواية حتى تشعر بأحزانها وتعيش حيرتها ، ثم يلقي بك أنت في بحر الحيرة حتى تسمع روحك تتساءل ترى إلي ما ستنتهي
الرواية؟؟ ، هل تستمر البطلة في حياتها ؟؟ هل تستلم للضغوط ؟؟ أم ستنتصر الأم في
استرداد ابنتها إلي أحضانها بتلك الرسائل الغريبة
؟؟
اختار زيدان لشخصية
الأم المثقفة التي يسرد في رسائلها كم
رهيب من الفكر حول تأصيل قضايا حقوق المرأة ودورها الإنساني والاجتماعي ، امرأة
أجنبيه ؟؟
هل عجز عن إيجاد
هذا النموذج الأنثوي الراقي عالي الثقافة في نساء العرب ؟؟
أليس في ذلك
اضطهاد للمرأة العربية ؟؟
أم انه بذلك يؤكد أن العيب الحقيقي في المجتمع
الذكوري الذي يحيط بالمرأة العربية ؟؟ فإذا ما زال ذلك الحاجز الصناعي استعادة
الأنثى بريقها العقلي ؟؟ أم أنها ضرورة فقط لحبكته الدرامية ليجب سبيلا لسنوات
البعد ثم العودة بالرسائل ؟؟
وعلى النقيض اختار للأب شخصية عربية متفتحة اختطفها
الموت ، ليحل محله الجد الذي يمثل صرامة المجتمع الرجعي المنغلق لأقصى الحدود ، مع
زوج تقليدي جدا لا يحمل من معاني الرجولة والوعي والثقافة سوى قشور ، لتصبح بطلته
في صراع عنيف بين ما تحمله من أفكار تميل للتفتح ، تغذيها رسائل أمها الغائبة وبين
سلطه زوجية أبويه مشتركة ، حتى يعتصرها الصراع لتفرز قرارا لا يقوى علي الوقوف في
طريقة احد ،في مشهد يضج بالمعني التي تمثل حالة الوصول إلي نقطه اللارجوع.
كم كتاب قرأ وكم
معبد ومتحف زار حتى تتكون بداخله تلك الصورة الراقية التي تعكسها روايته؟!
"ظل
الأفعى" قد توحي لك لفظه الأفعى بالسم أو الغدر أو الموت غير أن زيدان أبدع في وصف ايجابي فني علمي فريد للأفعى
ليحولها وساما علي صدر الأنوثة !!
نصوص من صلوات
لآلهة أنثوية يونانيه ،آشوريه, فرعونية ..... وتحليل رائع لأسباب تأليه
الحضارات للنساء واتخاذهن رموز مقدسة .
كم ستحتاج إلي
ورقه وقلم لتكتب ما يمليه عليك يوسف زيدان من أسماء نسائيه ستثير فيك الفضول لتعرف
عنها أكثر وأكثر .
وصف رائع بديع راق
للأم سر الوجود ، يصف آلامها وأحلامها وصفا يرفعها منزلة القداسة، تحمل في ذاتها
أسباب السمو وتأصل حقوقها بأمومتها فلا تحتاج لمن يمن عليها بها .
لن يستغرق الكتاب
معك أكثر من ليلة غير أنك ستقرأ ثانية لا محالة حاملا أورقا وقلما أو متصلا –بالنت-
لتقف عند نقطه نقطة من هذا السيل
المعلوماتي الذي فاض به يوسف زيدان بعد
أن طعمه بأدب راق ليهدينا بعضا من عقله ، مغلفه بمزيج من مشاعر وروح أديب، ليصنع لنا قطعة
فنية فيها عبق التاريخ و متعه الفلسفة ورقة الأدب .
ظل الأفعى رواية
تصلح للوضع في أرفف التاريخ والفلسفة والشعر والقصة معا فأن كنت مريدا لأي من تلك
الرفوف فقد وجدت ضالتك .
رواية ظل الأفعى " رواية من العيار التقيل "
إنجي ربيع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق